المعارضة السورية (3) المعارضة السورية استثمار طويل الأمد
بقلم :جوشوا لاندس وجو بايس
(مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية ومعهد ماساشوستس للكتنولوجيا)

المصدر:القبس الكويت

 

في الحلقتين السابقتين من دراسة 'المعارضة السورية' تناول المؤلف التشكيلات المكونة لتلك المعارضة، خصوصا جماعات حقوق الإنسان، والإسلاميين، والأحزاب، وهيئات المجتمع الأهلي، والمفكرين والمثقفين، واعتبر ان المعارضة مفككة، ومخترقة من قبل أجهزة الأمن، واعتبر ان تأثيرها في المجتمع السوري ما زال محدودا، رغم ما قامت به من انجازات، خصوصا في 'ربيع دمشق' الذي لم يزدهر ولم يتمكن من توحيد المعارضة، وكذلك نتائج اتفاق المعارضة في ما اصبح يعرف بإعلان دمشق، وتأثير سقوط صدام حسين وحرب العراق على المعارضة كما على الحكم.
وفي ما يلي الحلقة الثالثة والاخيرة من الدراسة:
مفاجأة خدام المذهلة تجدد نشاط المعارضة
في 30 كانون الأول ،2005 صعق نائب الرئيس الاسبق عبدالحليم خدام، الذي كان ذات مرة منتقدا ثابتا وقويا للمعارضة، النظام والمعارضة على السواء بمهاجمته النظام بشدة على شبكة محطة اخبار العربية. فمعارضته توريث الاسد كانت سرا معروفا، اذ كان يفترض هذا الموقع لنفسه. وبعدما وصل الاسد الى السلطة، وجد خدام نفسه مهمشا اكثر فاكثر الى ان قام بتقديم استقالته كنائب للرئيس، او اجبر عليها.
وبعد هذه المقابلة، عاد وسكن في باريس، حيث اعلن من هناك تحالفه مع الاخوان المسلمين، وفي آذار 2006، انتهى مؤتمر عقد في بروكسل بالاعلان عن تحالف معارض جديد عرف ب 'جبهة الانقاذ الوطني'، الذي شدد على اليم الليبرالية: التعددية الدينية والعرقية، والسياسية والفكرية، وتداول السلطة ونهاية التمييز ضد الاكراد الذين وصفوا بانهم 'شركاء في الوطن'.
لقد كان انشقاق خدام وتشكيل 'جبهة الانقاذ الوطني' ضربة مفاجئة لثقة النظام بذاته، اكبر من 'إعلان دمشق'. ففي افضل الاحوال، دل الاعلان عن قرب حدوث وحدة اكبر داخل المعارضة، لكن ذلك الامر بذاته لم يعزز موقف المعارضة داخل المجتمع. فبينما كان المنشقون يكافحون لتشكيل شبكة دولية وكانوا جائعين للحصول على تمويل، كان خدام يمتلك ثروة شخصية، ثروة من العلاقات المهمة ومعرفة وثيقة واساسية بالاعمال الداخلية لنظام غامض سيئ السمعة.
اما التحالف، فقد عزز مواقف خدام والاخوان المسلمين. فبالارتباط مع خدام العلماني، يكون الاخوان المسلمون قد أبدوا تشوقهم وحماسهم بجعل البراغماتية السياسية اولوية على حساب الايديولوجية الضيقة. وربما يكون ذلك قد خفف من قلق العلويين وقادة الجيش الذين كانوا يعتقدون ان حركة الاخوان المسلمين الاولى في السلطة ستكون التخلص من الموالين القدامى للنظام. كما ان بامكان خدام اجتذاب البعثيين بطريقة لا يقدر عليها البيانوني. فنائب الرئيس السابق نشر رسالة مفتوحة لبعثيي النظام مزينا لهم رفض الولاء لزمرة العائلة الصغيرة الحاكمة لسوريا، وتقديم ولائهم، بدلا من ذلك، الى البلد الام التي ادعت 'جبهة الانقاذ الوطني' بانها تمثله، ويمكن للإخوان المسلمين الاستفادة ايضا من علاقات واتصالات خدام الدولية والداخلية. وفي هذه الاثناء، كان الاخوان المسلمون قد قدموا لخدام رخصته الاسلامية، بحيث يكون بامكانه العمل الآن على ظهر دعمهم داخل سوريا.
على كل حال، فقد اعادت 'جبهة الانقاذ الوطني' فتح الانقسامات داخل المعارضة الداخلية التي كان 'اعلان دمشق' قد امل ختمها. ولم يقم اي من الناشطين داخل سوريا بالاعلان صراحة عن دعمه لهذه الجبهة - فقيامهم بذلك يحمل في طياته عقوبة السجن القاسية بشكل مؤكد - لكن معظم المنشقين انقسموا الى معسكرين. فقد عارض احد المعسكرين بحماس، من حيث المبدأ، التعامل مع خدام، رمز النظام البعثي القمعي والمخطط والمنفذ لاجراءات 'شتاء دمشق' الصارمة، كما ادان البعض في هذا المعسكر الاول التحول الجاري بمركز جاذبية المعارضة من دمشق الى اوروبا الغربية، مع العلم بان خدام كان قد فر الى باريس، بينما انتقد البعض غيظ وسخط المشاركين في مؤتمر جبهة الخلاص الوطني لعدم ضمه ايا من الناشطين من داخل سوريا. وعبر منتقدون آخرون عن رثائهم لفشل الاخوان المسلمين في التشاور مع حلفائهم الجدد في 'اعلان دمشق' وكان البعض في لجنة اعلان دمشق المؤقتة، قد هللوا، في الواقع، لفكرة إبعاد الاخوان المسلمين، رسميا، عن صفوف 'الاعلان'.
اما المعسكر الثاني، وفي حين كان متفائلا، بحذر، بخصوص جبهة الخلاص الوطني كصيغة سياسية، وفخورا ومسرورا بشأن ظهور تحالف معارض، فانه لا يزال قلقا من شخصية خدام. فهذا الحدث يهيمن عليه ليبراليون منشقون واكثر تقبلا للمساعدات الخارجية، كما يهيمن عليه اولئك الذين هم من اشد المتعصبين في معارضتهم للنظام. فالترك، الذي دعا بجرأة في اكتوبر 2005 الى استقالة بشار، قال علنا: 'في حين انه ليس علينا دعم خدام، فاننا لن نحاربه لمصلحة النظام'، مضيفا بان المعارضة مفتوحة للجميع، بما في ذلك المنشقون البعثيون اللاجئون (الى الخارج). وقد ايد عدد مهم من حركات المعارضة الخارجية جبهة الخلاص الوطني، حتى ولو كان ذلك غصبا عنهم. فحقيقة ان تشكيل جبهة الخلاص الوطني لم تؤد الى تقسيم المعارضة هي احدى الدلائل المادية الملموسة والصلبة القليلة لقوة 'اعلان دمشق' المتجانسة. 'فالاعلان' قدم للمعسكرين المتنازعين مجموعة افكار ومثل عليا متفقا عليها، ولم يكن اي ناشط ملتزم يريد رؤية انجاز المعارضة الجديدة، الاكبر والوحيد، ينحل بعد اشهر فقط من ولادته.
وكانت جبهة الخلاص الوطني قد باشرت، منذ ذلك الحين، بحملة دبلوماسية للحوار والشراكة مع قوى اقليمية معادية لبشار، بتأسيسها لاجتماعات ومكاتب لها في تركيا. كما وحدت علاقاته مع العناصر المعادية لسوريا في لبنان، رافعة بذلك مخاوف دمشق من ان لبنان قد يتحول الى انجاز اولي يمهد ويفتح الطريق للتقدم امام قوى المعارضة. فالاخوان المسلمون، على سبيل المثال، قاموا بمناقشة الآليات لمعارضة الاسد مع الزعيم الدرزي اللبناني وليد جنبلاط. فنجاح المعارضة ببناء ائتلاف واسع، حتى ولو كان هشا، وقدرتها على الحصول على دعم مبدئي من الحكومات الاجنبية، حث النظام على المضي بالهجوم.
'شتاء دمشق' آخر
تصاعدت الاجراءات الصارمة التي بدأت في مارس 2005 الى هجوم محموم بعد انشقاق خدام، اذ تشجع النظام وقام بتكثيف اجراءاته بسبب حدثين، على الارجح. الأول، شعور نظام الاسد بأنه قد تفادى رصاصة مع تقرير الامم المتحدة والثاني حول جريمة قتل الحريري. فعلى خلاف التقرير الاول الذي صدر في تشرين الاول 2005، لم تتهم التقارير اللاحقة سوريا وجعل ذلك الامر الغرب يشعر بصعوبة اكبر لجهة ابقاء الضغط على سوريا وتثبيته. ثانيا، اعتقاد النظام السوري، على الارجح، بان الولايات المتحدة منشغلة بالحرب على العراق وبقضية مواصلة ايران لبرنامج تسلحها النووي، وبانها منهمكة للغاية لتقوم بصرف رأسمالها السياسي الثمين على تهييج النفوس لاجل القيام بالاصلاح الداخلي في سوريا.
وفي مارس 2006، عندما لم يكن هناك من شك بخصوص دعم الخارج لقوى المعارضة، قام النظام السوري بتضخيم اتهاماته للمنشقين، اذ اتهمهم بالاتصال غيرالمشروع مع عناصر اجنبية، وتم اعتقال اللبواني فورا، كما وصفنا سابقا، عقب عودته من اجتماعات مع مسؤولين اوروبيين واميركيين واتهم مبدئيا بالانتماء الى منظمة محظورة، وبالتحريض على النزاع الطائفي والتسبب 'بالضرر لصورة البلاد'، وكان السيناريو الأسوأ لهذه الحالة السجن مدة 10 سنوات، ثم قام النظام لاحقا برفع اتهامات جديدة ضد اللبواني: 'الاتصال مع بلد اجنبي وحثه على المواجهة المباشرة'،، مما يحمل في طياته عقوبة السجن المؤبد او الموت.
سياسة الضغط الثابت
اما بما يتعلق بصيف 2006، فإنه لم يتم السماح، عمليا، لأي منشق سوري بمغادرة البلاد، اذ يصادر العملاء الامنيون جوازات سفر الناشطين او يبلغونهم عن حظر السفر عليهم خلال الاستجواب، وغالبا ما يتم ابعاد الناشطين الى الحدود من دون سبب، كما حدث مع عدد منهم حاولوا السفر الى الاردن ولبنان، وفي صيف 2006، ورغم العفو العام الدوري المتكرر للسجناء السياسيين - اذ اطلق النظام سراح 5 من اصل 8 محتجزين بعدما انهوا عقوباتهم - فقد تبنى النظام سياسة الباب الدوار للاعتقالات، بمعني اطلاق سراح احدهم فقط ليعود ويحتجز اثنين آخرين بعد ايام، او اعتقال الناشط نفسه، مرة اخرى، للمحافظة على مستوى ثابت من الضغط، فعلى سبيل المثال، تم احتجاز سيف، المنتقد الصريح للنظام، مرتين خلال الاشهر الثلاثة بعد اطلاق سراحه.
كما تقوم القوى الامنية بردع المجندين من الانضمام لقوى المعارضة عن طريق اجراءات هجومية عقابية متساهلة لمرة واحدة يقوم بها اشخاص غير منتسبين للمعارضة، وفي عودة الى ايام حافظ الاسد الارهابية، فقد كان يتم حتى اعتقال المواطنين العاديين بسبب تمريرهم ملاحظات ضد النظام، وفي ابريل 2006، تم احتجاز رجل متقاعد يبلغ من العمر 70 عاما بسبب ملاحظات كهذه مع اصدقائه في مقهى، وعند كتابة هذه الدراسة، كان مكان وجوده لايزال مجهولا، فحتى الفساد الذي كان موضوع عدد من حملات الدولة، والذي سبق ونوقش بصراحة في صحف الدولة، اصبح هو الاخر موضوعا خطيرا، اذ تم استجواب وتهديد فراس سعد، الذي اسس 'المبادرة الوطنية لانهاء الفساد في سوريا'، وذلك بعد نشر مذكرة مناهضة للفساد في ربيع 2006.
وفي 12 مايو 2006، وقع 300 مفكر سوري ولبناني 'اعلان دمشق - بيروت'، حيث دعا هؤلاء الى تطبيع العلاقات بين لبنان وسوريا، فللوهلة الاولى فسر النظام الوثيقة، غير المؤذية للمشاعر، كدليل على ان المعارضة السورية كانت تعمل رسميا على تشكيل اتحاد مع الحكومة المعادية لسوريا في لبنان، فجنبلاط، السياسي اللبناني الاكثر تعبيرا عن انتقاداته ومعاداته لسوريا، والذي كان قد دعا الى تدخل عسكري اميركي في سوريا، كان قد التقى مع اعضاء من الاخوان المسملين السوريين ومع خدام.
وهاجم النظام الوريد الاهم للمعارضة، اذ اتهمت افتتاحية في صحيفة 'تشرين' التابعة للدولة، الموقعين على الاعلان ب 'تناسي كل ضحايا وتضحيات سوريا لاجل لبنان والانضمام الى الشيطان وبالهجوم المفتوح ضد سوريا، بقيادة ادارة بوش'، وبعد يومين من نشر هذه الافتتاحية، استدعت الشرطة السرية ميشال كيلو، الواضع الاساسي 'للاعلان'، للاستجواب، ومنذ ذلك الحين وهو متهم ب 'اضعاف الشعور الوطني' و'نشر الاخبار الخاطئة والمبالغ بها التي بإمكانها التأثير في مكانة الدولة وهيبتها'.
واستهدفت الاعتقالات كل عنصر من عناصر المعارضة - مناصري حقوق الانسان، القوميين العرب، الاكراد، اليساريين، الليبراليين، وكانت الدولة تقصد بذلك تحذير المعارضة بأن لا احد مستثنى من الجزاء اذا ما صاغ تحالفات مع حكومات او عناصر خارجية، وبدأ الناشطون يتحدثون عن 'التصفية الاخيرة' للمعارضة، وعلى كل حال، وعقب حرب صيف 2006 في لبنان، اطلق النظام سراح ثمانية من اصل عشرة من الموقعين على 'اعلان دمشق - بيروت' من الذين كان قد اعتقلهم، كما عزز 'النصر' المعلن لحزب الله وسوريا على اسرائيل من ثقة النظام السوري بنفسه وزاد من شعبية الاسد داخل سوريا، فالنظام لم يعد يشعر بأن لديه ما يخاف منه من المعارضة السورية المتحدة مع الحكومة اللبنانية الضعيفة والفاقدة للمصداقية، فالكل سواء، حيث لم يتم اطلاق سراح ميشال كيلو ولا انور البني، وهو محام يدافع عن ناشطي 'ربيع دمشق'، من السجن.
لم يتبق أي ديموقراطي
غيرت انتصارات الاسلاميين المذهلة في العراق، كما في مصر وفلسطين خلال العام الماضي، وكلها حصلت في انتخابات بضغط اميركي الى حد كبير، مجرى رياح ادارة بوش المؤيدة للديموقراطية. فواشنطن اهتزت، وهذا مفهوم، بسبب النتائج غير المقصودة لحلمتها الديموقراطية. فهي لا يمكنها تحمل تعزيز اكبر لحالة معاداة الامركة في المنطقة. كما كان القادة السياسيون والعسكريون الاسرائيليون قد اوضحوا انهم لا يريدون حصول زعزعة استقرار نظام الاسد العلماني بسبب تخوفهم من الفوضى التي قد تقود الى وصول الاسلاميين الى السلطة.
ومع ذلك، لا يجب ان يحصل ردع للجهود الاميركية في رعاية وتنشئة المجتمع المدني في سوريا، حتى في الوقت الذي تبتعد فيه واشنطن وتنقلب على افكارها بتغيير النظام وتعزيز حالة عدم الاستقرار. فقمع النظام منع ظهور بديل ليبرالي لحزب البعث. اما اولئك الباحثون عن ايديولوجية جيدة بين اوساط الشباب السوري، فقد تحولوا، اكثر فاكثر، الى الاسلام او التصقوا بهوياتهم العلمانية. وكما كان المفكر ياسين الحاج صالح قد علق: 'عندما تقوم بقمع الاحزاب لاجل كل الاهداف العملانية، فانك تسجن الناس في اطار علم العضوية التقليدية او العضوية ذات التمركز العائلي... وقد عزز سحق الاستقلال، اي الحياة السياسية الحرة في سوريا، الفرصة لعودة ولادة العلمانية كما ادى الى خلق هذه الازمة'.
وفي الوقت الذي تمنع فيه اجهزة امن الدولة منتديات المجتمع الاهلي العامة من الانعقاد، تقوم مجموعات النقاش الاسلامية غير الرسمية بالانتشار. ورغم ان دعوة هؤلاء بالارض الخصبة للعسكرة الاسلامية امر مبالغ فيه، فانهم لا يفسحون المجال لاصلاحيين اسلاميين. اما منتديات المجتمع الاهلي فمواقع شديدة الاهمية لنشر الدعاية لليبرالية والايديولوجيات البديلة. فالمعارضة السورية ستضج، فقط، بمرور الوقت، ويجب اعتبارها بمنزلة استثمار طويل الامد، وليس شيئا سريعا على المدى القصير يمكن استخدامه لزعزعة او تهديد النظام السوري. ان استخدام الدعم للمعارضة كهراوة ضد النظام السوري لن ينجح، لان المعارضة ضعيفة جدا لكي تشكل تهديدا جديا للنظام. كما ان التكتيك سيشوه سمعة المعارضة بجعلها تظهر بمظهر الاداة بيد القوى الاجنبية، وهو امر يجعل المسؤولين السوريين في غاية السرور لاستغلاله.
وليس هناك من صيغة بسيطة او سهلة لتعزيز المجتمع الاهلي والحركات الديموقراطية في سوريا. اذ لن تنتج سنوات من المساندة الاميركية معارضة قادرة على الاطاحة بالاسد، ودمشق تعلم هذا، واذا ما كانت تعتبر بان واشنطن تقوم بدعم وتقوية المعارضة كبيدق سياسي زائل في لعبة الشطرنج، فبامكانها الانتظار لحين يزول الضغط بدل المباشرة باصلاح داخلي.
ورغم خطاب ادارة بوش حول دعم الحريات في الشرق الاوسط، فان سياستها السورية التي كانت تركز عليها بشكل لا مثيل له تقريبا، كانت تدور حول تغيير سياسة الاسد الخارجية، التي يدعمها السوريون بشكل ساحق، وليس على تغيير سياسات الاسد المحلية او على تحسين الظروف داخل سوريا، وهذا ما تريده سوريا. فهذا التريكز يجعل من الصعب جدا على المعارضة السورية دعم الخطاب والسياسات الاميركية المؤيدة للديموقراطية، والتي تعتبر بمكانة حجج وذرائع لزعزعة الانظمة التي تعارض المصالح الاميركية في المنطقة. فمطالب واشنطن بوقف سوريا دعمها لحماس او منظمات فلسطينية راديكالية اخرى، في حين تبقى صامتة بوجود مصادرة الاراضي الفلسطينية، يضع المعارضة السورية في موقف مستحيل مقابل الولايات المتحدة. فالمعادضون للنظام بحاجة الى الدعم الخارجي للدفاع عن انفسهم، لكن ليس بامكانهم التحول الى الولايات المتحدة، التي تعتبر بلدا غير موثوق به بشكل واسع بسبب دعمها الثابت لاسرائيل.
اصبح الموقف الاخرق والفظ الذي وجدت المعارضة نفسها فيه ظاهرا بسرعة مع نهاية عام ،2005 عندما سعى البيت الابيض للوصول الى المعارضة السورية والتطرق الى قضيتها علنا. فقد طالب بوش في 11 اكتوبر ،2005 باطلاق سراح اللبواني من السجن الى جانب مناصرين آخرين للمجتمع الاهلي، واصر على ان 'تبدأ سوريا باستيراد الديموقراطية'. وبعد ذلك، وفي فبراير ،2006 اعلنت الادارة الأميركية عن قرارها بمنح مبلغ 5 ملايين دولار لتعزيز حكم القانون، ومحاسبة الحكومة، وامكان الدخول الحر الى المعلومات، وحرية الكلمة، وانتخابات حرة ونزيهة في سوريا. وفي اوائل نيسان 2006، عبر مسؤولو الادارة الأميركية عن اهتمامهم بسماع وجهات نظر 'جبهة الانقاذ الوطني' وهو اعلان غير ملزم لكنه التلميح الاول الى ان الولايات المتحدة ستعيد درس رفضها العنيد والصلب للحوار مع الاخوان المسلمين.
لقد وضعت هذه الخطوات المعارضة في موقف مفتقد للطمأنينة والثبات بشكل خطير، اي معتمدة على اسس مشكوك فيها. وحثت اجتماعات اللبواني في واشنطن الوطنيين القوميين، المهيمنين على المعارضة، على ابقاء انفسهم على مسافة من جهوده (اللبواني).
وكان قرار التمويل الاميركي سببا لمعضلة اكبر، مما سمح للنظام باتهام الناشطين بانهم دمى خاضعة للولايات المتحدة. اما من جانبهم، فقد صرح الاخوان المسلمون، بدلا من التعبير عن سعادتهم بان الولايات المتحدة ستستمع الى مطالبهم، بانهم لا يريدون شيئا سوى ان توقف الولايات المتحدة دعمها لنظام الاسد، فالاخوان المسلمون غير مهتمين بالدعم الاميركي. ويصيب هذا الجدل عمق القومية العربية ويجد صداه لدى جماهير تشعر بانها مطوقة ومحاصرة بشكل غير عادل من قبل الغرب العدائي المولع بالحرب.
ولا تزال سوريا قلب العروبة النابض، حتى ولو كانت الآن غير مسموعة تقريبا في باقي العالم العربي. وقد استغل النظام، بذكاء، هذه المشاعر لتشويه سمعة المعارضة. واخبر بوش اخيرا الحكومة العراقية بانه اما سيكون هناك 'وحدة او فوضى'. وقال الاسد الشيء نفسه للسوريين، بان ثمن التفكك - اي الانشقاق' في الازمة السياسية الراهنة هو الفوضى. فكارثة العراق اعطت مصداقية لادعاء النظام بان التدخل الاجنبي سيكون مدمرا.
اما رد المعارضة على التمويل، فكان متوقعا. فقد رفضت كل اصوات المعارضة، ما عدا قلة، المساعدات علنا وبشكل قاطع لا يقبل الالتباس. فالناشطون والمنشقون عملوا على تلميع وصقل اوراق اعتمادهم الوطنية بقوة ونشاط شديدين. وصرح ميشال كيلو: 'لسنا اعداء للنظام. نحن نريد اصلاحه من خلال مجهود وطني كبير لحماية البلاد، خصوصا ضد اميركا'. اما حسن عبدالعظيم، فقد تحدث عن 'اعلان دمشق' بالنيابة عندما قال محذرا: 'اذا ما وجدنا اي شخص يقوم بتقبل مساعدات خارجية، فاننا عندها سنتخذ موقفا حاسما وقاطعا ضده'. كما رفضت فئة اصغر واكثر تطرفا الدعم المعنوي والدبلوماسي حتى لناشطين محتجزين ومضايقين باستمرار.
والمقصود من بعض هذه الامور تجنب الاتهامات بالخيانة، لكن ذلك يعكس ايضا حالة عدم الثقة العميقة بالسياسة الاميركية، التي تبدو منحازة دوما باتجاه اسرائيل ومعادية لمصلحة سوريا. وقد وفرت الحقيقة بان اعلان التمويل في شباط 2006 قد جاء اثناء الحظر الاميركي على حكومة حماس المنتخبة ديموقراطيا في فلسطين، خامة للمشككين الذين يعتقدون ان الديموقراطية التي تحث عليها الولايات المتحدة ما هي الا مظهر خادع مفضوح لاجل توسيع مصالحها الاستراتيجية. كما ان تردد الولايات المتحدة في صنع هدنة في لبنان في صيف 2006 ادى الى تدمير ثقة اصلاحيين عرب اصدقاء للغرب بالولايات المتحدة والتزامها بحقوق الانسان وبحلفائها العرب.
ماذا الآن؟
لكي تبني الولايات المتحدة علاقة مستدامة مع المعارضة السورية وتعزز فرصها، سيكون عليها تجديد جهودها لتعزيز تسوية سلام شامل في المنطقة. اذ ان تسوية اقليمية بين اسرائيل واعدائها الباقين في العالم العربي هي فقط ما سيقلب المشاعر الشعبية الراديكالية المعادية للامركة في المنطقة، ويجعل من الممكن بالنسبة لقادة المعارضة السورية تقبل السياسات الاميركية واعتناقها في المنطقة. وطالما ان بامكان النظام السوري اتهام الولايات المتحدة بعدم تحديد موقفها من ادعاء سوريا بمرتفعات الجولان وكذلك اتهامها بدعم الجهود الاسرائيلية في ادعائها لملكية الأراضي الفلسطينية وتسوية وضع الضفة الغربية، فان المعارضة السورية ستبقي واشنطن على مسافة منها وسيتهمها النظام باضعاف سوريا خلال أوقات الازمة.
ولا تزال المعارضة السورية ضعيفة بوجه قوى النظام الهائلة من القمع واحتكار الصحافة. وقد مكن الانترنت والفضائيات المعارضة من نشر رسالتها، لكن هذه الامكانات لا تزال مقيدة ومحصورة ولا يمكنها منافسة الدولة. فرسالة المعارضة الليبرالية لا تصل سوى الى النخب العليا من المجتمع المرتبطين بالعمل السياسي والذين يستطيعون الدخول الى الانترنت.
اما اكثر الامور التي اضرت بالجدل الديموقراطي الكبير في المنطقة، فكان فشل الولايات المتحدة ببناء دولة متعددة وناجحة في العراق. فالعنف وعدم الاستقرار المرعبان اللذان سادا الدولة المجاورة لسوريا منذ الغزو الاميركي، عززا من شرعية الاسد. اذ يعتقد الآن عدد من السوريين، الذين كانوا متشجعين، اولا، بزعم بوش القائل ان الشرق الاوسط جاهز للديموقراطية، بان التجربة مع التعددية قد تكون محفوفة جدا بالمخاطر. فسوريا، كالعراق، مجتمع مؤلف من تنوع ديني وعرقي كبير، وليس هناك ضمانة بان لا ينفجر العنف السياسي في سوريا اذا ما انهار امن الدولة. وقد استغل الاسد هذا الخوف بادعائه بانه كما كانت واشنطن مخطئة، تماما، بشأن العراق، فانها مخطئة بعرضها ان سوريا جاهزة لتغيير النظام وللديموقراطية.
كما عززت الحرب في لبنان خلال صيف 2006، ايضا، النظام واضعفت المعارضة. فقدرة حزب الله على الثبات بوجه الغزو الاسرائيلي جعلته محبوبا للغاية في سوريا، وانعكس ذلك بشكل جيد على الاسد، الذي كان مساندا كبيرا لحزب الله. اما المعارضة السورية، بالمقابل، وبتحالفها مع معارضي حزب الله في لبنان، فقد خرجت ضعيفة من النزاع. ولم تضعف المعارضة الموالية لأميركا، بشدة، بسبب الحرب فقط، وانما لان الاسد اتهمها بدعم اسرائيل، ضمنيا، ومعارضة 'الموقف العربي'. وبسبب شعبية حزب الله في سوريا عقب الحرب، كان الشعب السوري متعاطفا مع هذا الجدل الرئيسي.
وبالرغم من ان المعارضة السورية لا تزال لا تقارن بالحكومة السورية، فانها قامت بعدد من الخطوات المتقدمة على مدى العامين الأخيرين، اما اهمها، فهي البدء بالعملية الصعبة لتوحيد صفوفها حول مجموعة مطالب مشتركة مؤسسة على مبادئ الديموقراطية وسيادة القانون. وتخلى تنظيم الاخوان المسلمين، الحزب الاسلامي الاقدم والاكثر احتراما، عن ادعاءاته بوجوب تأسيس نظام القانون الاسلامي في سوريا، حالا، كما تخلى عن زعمه بان السوريين من غير المسلمين لا يتقاسمون الحقوق السياسية كالمسلمين. واعتنق زعيم الاخوان المسلمين لغة التعددية والحقوق المتساوية لكل المواطنين.
وبطريقة مشابهة، تخلى اليسار العلماني عن الماركسية والطليعية لمصلحة مطالب ليبرالية اكثر كلاسيكية بالحرية وسيادة القانون. اما مفاهيم حقوق الانسان، واحترام الحريات الفردية، وحرية التعبير، فقد اصبحت الآن مطالب مشتركة لدى طيف قادة المعارضة السورية.
اما ثقافة الليبرالية العظيمة، فهي تنمو الآن بين اوساط الطبقات العليا والوسطى السورية، رغم انها لا تزال في تنافس مع الاسلمة، المهيمنة على اوساط الطبقات الوسطى، والادنى. وبمرور الوقت، فقد يكون حت للعنف في العراق وقع تعديلي على حروب الثقافة الموجودة الآن بين الليبراليين والاسلاميين. فالسوريون كانوا مرعوبين بسبب العنف في العراق، كما قاست جميع الاحزاب الامرين لشجب وادانة الطائفية وثورة العنف. اما في المدى الطويل، فان ما سيساعد السوريين على تجاوز الحكومة الفاشستية هو خلق هوية مشتركة فيما بينهم. وادى تطوير المعارضة للمبادئ المشتركة الى الدفع قدما بهذه العملية.

رابطة حقوق الإنسان والمجتمع المدني

Association for Human Rights and Civil Society

http://www.sahrcs.com

     

 

Link

News

Kdps

Gotar

Wêne

Stran

Têkilî

أتصل بنا

أغاني

صـور

مقالات

ك.د.ب.س

أخبار

مواقع الكترونية