|
الديناصورات لاتصمد أمام البراكين

جان كرد
18.01.2007
في
الوقت الذي تقرأ هذا المقال يموت الآلاف من الأطفال في العالم
جوعاً أو بسبب الأمراض الفتاكة وقلة الموارد الأساسية وفقدان
الرعاية الصحية، وفي الوقت نفسه تصرف الملكيات المتطفلّة على قوت
الشعوب ما يكفي لسد رمق كل فقراء العالم وخفض نسبة وفيات الأطفال
في آسيا وأفريقيا وأمريكا الاتينية....
مع قدوم الحرب
العالمية الأولى عام 1914 إنهارت حوالي 30 ملكية في العالم، إمّا
لأنها لم تكن قادرة على البقاء أو لم تكن مستعدّة للانسجام مع
التغييرات السريعة التي طرأت على شكل الدولة، إلا أن بعض هذه
الملكيات قد رضي بتقديم تنازلات عن السلطة لحكومات تمثّل صلاحيات
واسعة، وإحدى هذه الملكيات التي أنقذت نفسها من الموت آنذاك هي
الملكية البريطانية القابعة في قصر وندصور، وقنعت بأن تمثّل
الأمة البريطانية تمثيلاً لايعيق العملية الديموقراطية في البلاد.
إلاّ أن بقاءها بأبهتها ومصاريفها الباهظة وألقاب أعضائها والهالة
شبه المقدّسة المصطنعة حولها، حتى طلاق الأميرة ديانا من
زوجها تشارلز والفضائح التي تلتها على الأقل، لايزال يدفع
كثيرين من الانجليز إلى التساؤل:
هل
الملكية ضرورة وطنية؟
هل هناك مبرر
للمصاريف الكبيرة التي تصرفها الأمة على حفنة من الناس العاطلين عن
العمل في وقت مليء بالنتائج المريرة لفقدان العمل وشح المصادر
المالية؟
ما هو
الانتاج الذي تنتجه الملكية للبلاد؟
وهل الشعب
راض عن بقاء هذا التاج الملكي والعائلة الملكية... ولماذا؟
هذه
الأسئلة وغيرها يطرحها مؤيدو التاج وأعداؤه على حد سواء.
إن
الملكية البريطانية لها من العمر أكثر من 1000 عام، حيث ارتفعت
بريطانيا في هذه الفترة إلى أعظم امبراطورية استعمارية في العالم،
ومع مرور الأيام احتل البرلمان مراكز القوى الأتوقراطية حتى أصبح
قادراً على مزاولة السلطان كاملاً. ولقد تخلّت بريطانيا في القرن
الحالي عن مستعمراتها التي كانت منتشرة في أرجاء العالم، إلاّ انها
ضمّتها في كومنويلث لدول مستقلّة، ولم يبق للامبراطورية
بريقها السابق سوى المونارشية المتمثلّة فيما تبقّى من أشباح قصر
ويندصور التي لاسلطة فعلية لها.
ومن
أهم لمعات هذا البريق الملكي تلك الأبهة التي ترافق افتتاح الدورة
البرلمانية السنوية، حيث تزور الملكة البرلمان مع عائلتها مصحوبة
بالحرس الملكي، في احتفال تقليدي مهيب، مخطط له حتى على مستوى
التفاصيل الدقيقة لحركات المشاركين والمستقبلين جميعاً، ويدعى
أعضاء الحكومة (البيت الأدنى) إلى (البيت الأعلى – قصر
اللوردات) حيث تقرأ الملكة هناك خطاب العرش أمام الحكومة، بما
يشمل البرنامج الحكومي ويحافظ على التقاليد الملكية معاً. ومن
لمعات قصر ويندصور أيضاً حفلات فاخرة وعامرة على غرار حفلة
زفاف تشارلز أمير ويلز في 29 تموز 1981، تلك التي
نقلتها تلفزيونات العالم، حيث استخدمت 11 عربة ملكية مرفقة ب 64
فارساً لاحضار العروسين الملكيين وحاشيتهما من قصر بوكينكهام
إلى كاتدرائية سانت باولس. وقد شاهد الاحتفال تلفزيونياً
حوالي 700 مليون إنسان أي ما لايقل عن 1/6 من سكان المعمورة. وهذا
ما أثار فخر واعتزاز البريطانيين الذين تحملّوا هذا التبزير الملكي
دون مقاومة تذكر، وضمّ هذا الزفاف عضواً آخر إلى العائلة الملكية
وهي ديانا أميرة والس التي سرعان ما أصبحت إلى جانب
الملكة أكثر الشخصيات البريطانية شهرة، وانتظر البريطانيون بلهفة
ميلاد أول طفل للأميرة ديانا. وبالفعل ولد ويليام في
حزيران 1982 ليكون بعد ولي العهد تشارلز المرشح الثاني
لاستلام العرش.
وظائف
المونارشية:
في انسكلوبيديا
(بيير) كتب عنها مايلي:
" من الناحية
القانونية، الملكة هي رأس السلطة التنفيذية، وهي جزء من السلطة
التشريعية، وتقف على رأس السلطة القضائية، ولها السلطة العليا في
قرارات القوات المسلّحة وهي رئيسة الكنيسة في بريطانيا، إلاّ أنها
في الواقع تمارس مسؤوليات تمثيل الدولة رسمياً، وفي كل مداخلاتها
الهامة عليها استشارة وزيرها، ولكنها كممثلّ للدولة والكومنويلث لا
تزال تمارس سلطة تشريعية هامة."
أمّا ما ذا
تعمل الملكة إليزابيت طوال النهار، فإن الجرائد تنشر يومياً
أخبار القصر التي من خلالها يتعرّف المرء على مواعيدها وأفعالها،
وكذلك ما يفعله أعضاء الأسرة وما يقولونه... وهكذا فإن ما تقوم به
العائلة المالكة معروف ومكشوف للبريطانيين، وهي في معظمها أخبار
الأزياء والمأكولات والمجوهرات، إضافة إلى القوارب والخيول
والرياضة والمصائد... وإلى جانب تلك الحياة المرفهة قامت الملكة
حسب ما كتبه أحد قرّاء (لندن تايمز) في عام 1981 ب 400
مهمّة وطنية من لقاءات رسمية وتعيينات واستقبالات وزيارات في داخل
البلاد وخارجها، وهي تقرأ جداول زياراتها وترتبّها بنفسها، كما
أنها تقرأ التقارير الرسمية التي يجب عليها توقيعها. وهذا ما
يجعلها في نظر البريطانيين على مستوى المسؤولية وشخصية واعية
لمكانتها المرموقة في المجتمع البريطاني. وتعتبر الملكة في نظر
الكثيرين من البريطانيين خير ممثلّة لبلادهم، وهذا الاهتمام الكبير
بما تقوم الملكة دفع البريطانيين إلى أن يمنحوها مستوىً مرموقاً
جداً حينما طرح عليهم سؤال فيما إذا كان عمل الملكة مهماً أم لا.
ومن الطبيعي أن
يحظى زوج الملكة وولي العهد والأميرة وأحفاد الملكة بمكانة لائقة
لدى الأثرياء البريطانيين وأن تعتبر أعمالهم السيئة والسخيفة
أحياناً بمثابة انجازات وطنية كبرى يجب على البريطانيين تقديرهم
وثناؤهم عليها، إلاّ أن العاقلين من البريطانيين يتساءلون فيما
بينهم: " ألا يمكن لمحافظ مدينة أو رئيس بلدية أن يقوم بتلك
"الانجازات الوطنية"؟."
ويرّد
على ذلك أنصار الملكية بأن حضور أعضاء المونارشية مناسبات وطنية
يزيد من اهتمام الناس بتلك المناسبات ويعطيها أهمية قصوى، كما أن
الآخرين، من خارج المونارشية، لا يملكون تلك المواهب التشريفية
لجلب أنظار الشعب إلى المناسبات، وهنا يطرح سؤال ملّح نفسه:
- هل
المونارشية أداة توحيد يصرف عليها البريطانيون عن وعي وادراك
لضرورتها الوطنية؟
إلا أن
المناقشات الحادة في البرلمان البريطاني كل عام بسبب المصاريف
الباهظة للمونارشية والتي تأخذ حجماً ظاهراً للعيان في الجرائد
اليومية تبّين بأن البريطانيين يريدونها ملكية بأقل مبلغ ممكن من
المصاريف، وإنّ ميزانية العائلة سنوياً تتألف من المال الذي يطلبه
أفراد العائلة حسب قوائم مقترحة من قبلهم إضافة إلى ما تطلبه
الملكة نفسها حسب قائمة مصاريفها المقترحة.
ولقد زيدت
لائحة الملكة التي تسمّى ب (اللائحة المدنية) في عام
1982/1983 بمقدار 8 % عما كانت عليه سابقاً، وأصبحت أكثر من ½¸3
مليون جنيه استرليني، 75% منها رواتب المستخدمين في القصر الملكي،
من السكرتير الخاص إلى عاملات تنظيف القصر، وتتضمّن اللائحة أكثر
من 75 ألف جنيه استرليني مصاريف دعم لأعضاء العائلة، هذا إضافة إلى
15 مليون جنيه أخرى تصرفه الوزارات المختلفة على القصور الملكية
والقوارب والطائرات الملكية الستة والقطار والملكي وغير ذلك...
والشعب البريطاني لاحول ولاقوة له أمام هذا الهدر المالي الكبير
والإسراف الممقوت، مقابل ازدياد الضرائب الباهظة التي ترهق العمال
وصغار الكسبة، حتى المحاولات التاتشرية (نسبة إلى السيدة الفولاذية
- رئيسة الوزراء مارغريت تاتشر) التي تسبب في
اضطرابات عنيفة ومصحوبة بدمار مرعب في لندن من قبل الطبقات الفقيرة
وخاصة فئة الطلاب والعاطلين عن العمل.
إلا أن إطلاعاً
أجرته مؤسسة ماربلان قد أوضحت بأن 76% من الذين تم سؤالهم
يرون في المونارشية إيجابيات أهم من مصاريفها الكبيرة هذه. ولكن
بعض البريطانيين يعتبرون هذا النوع من المساءلات السياسية
والإعلامية لا تمس القواعد الشعبية من المجتمع البريطاني، وهي
هادفة ومدعومة من أنصار الملكية، وهذا الرأي تتبناه ال (تايمز)
اللندنية، حيث ذكرت بأن عضواً برلمانيا قد ندد بأؤلئك الذين يرون
في الملكية إيجابيات أكثر أهمية مما تصرفه من مال الشعب واعتبرهم
ممن لاعلاقة لهم بالشعب الذي لا بد وأن يثور في يوم من الأيام في
وجه هذا الذي تستطيع أن تحصل عليه الملكية في وقت يضطر فيه
البريطانيون إلى شدّ أحزمتهم. هذا ناهيك عن الخلافات الكنسية التي
تنجم عن المسألة باعتبار الملكة رئيسة (راعية) للكنيسة في انجلترا،
وهي خلافات لا تقل عمقاً عن تلك الخلافات التي تدور حول المصاريف
الملكية.
ولما كانت
العائلة تكبر والأمراء يزدادون والأميرات ينجبن البنين والبنات فإن
أعداء الملكية يزدادون قلقاً، وهم في معظمهم ليسوا من المتخمين
والرأسماليين الذين يمكن ارضاؤهم بالتفاتة ملكية أو ببعض الأوسمة
والنياشين، وهذا يعني تعميق الفجوة بين أنصار ديموقراطية دون
مونارشية وأنصار مونارشية متطفّلة على الديموقراطية...
ويتساءل المرء:
هل ستبقى هذه الملكية في القمة التي بقيت عليها حتى الآن أن
ستنهار؟
ولا بد لنا بعد
هذا أن نتساءل:
- ترى كيف
يعيش ملوك ورؤساء الشعوب الإسلامية؟ زكيف يصرفون من أموال شعوبهم؟
هل لبرماناتهم حق التدخّل في تحديد قوائم طلباتهم ورواتب مستخدميهم
ولجم طموحهم الملكي؟ وهل يقدّمون لشعوبهم شيئاً يستحق كل هذا
العطاء؟!.
الجواب تعرفه
الشعوب الإسلامية قبل غيرها من الشعوب، ولا حاجة لنا بالحديث عن
ملكية معيّنة، فكلها في الهوى سوى، والأمّر من ذلك أن بعض الرؤساء
العرب الذين صاروا نتيجة انقلابات عسكرية ملوكاً في بذلات جمهورية،
بل إن بعضهم يورث الجمهورية لأنجاله، وكأنها وراثة ملكية... حتى
تبدو الملكية البريطانية العريقة بالنسبة إليهم "تقدمية
ومتحضّرة" .. أم أن هؤلاء جاهلون بحقيقة أن الشعوب لا ترحم وأن
الديناصورات لاتصمد أمام البراكين؟. |