|
|
التجذر التاريخي للأمة الكردية
"ضمن سلسلة "
عبد الرحمن آلوجي
في
الحديث عن التاريخ القديم للأمة الكردية و الخوض فيه يتبدى لنا أن هذا التاريخ
الذي كان إلى وقت غير بعيد محاطا بكثير من الغموض, لتوغله في القدم أولا, و
لتعمد إحاطته بذلك الغموض من قبل الدول و الحكومات المستفيدة من ستر ذلك السفر
الخالد الموغل في مجاهل التاريخ, لما كان للكشف عن سرّه المغلق, و عراقته و
اتصاله بفجر التاريخ الإنساني من أثر كبير في نهضة هذه الأمة المقسمة , و فتح
مغاليق تاريخ يتصل بالحضارة الإنسانية, الأمر الذي يجعل الخوض فيه موثّقا, و
وفق دراسة أكاديمية, تتضافر عليها جهود الباحثين أمرا ذا أهمية كبرى للتاريخ
الإنساني أولا , و كشف مجاهله, و إنارة الدرب أمام الكرد لمعرفة أوابد آبائهم و
أجدادهم, و إعادة الثقة بأنفسهم ثانيا, و إفهام الآخرين المنكرين و المتنكرين
أن لهم ماضيا عظيما, كما أن لهم هذا الامتداد الذي استمر على الرغم من آلاف
المحن, و ألوان الإبادة و أشكال الكيد و السحق و القتل و التدمير, لتفريغ جنة
من جنان الدنيا, و دوحة وارفة تفيض بالينابيع و الأنهار الكبرى و السهول
الفسيحة, و الجبال الشاهقة و الوديان السحيقة و خيرات و ذخائر و كنوز في موقع
استراتيجي يتوسط الشرق و الغرب, و يعد المهد الثاني للبشرية ثالثا, وقد سبق أن
تناولنا في إحدى حلقات التجذر والمنشورة في جريدتنا المركزية ( صوت الكرد /العدد
320/) البدايات التاريخية الأولى موثقة وممنهجة, لهذه الأمة العريقة, بعنوان :
(التاريخ الحضاري للأمة الكوردية(4) ) , آتين على :
(الجانب المادي و التقني للحضارة ) , حيث جاء فيه :
(إن المؤرخين و علماء الأجناس و الأنتروبولوجيا انتهوا إلى دراسات علمية و
أثرية في الغاية من الدقة و التوثيق , تثبت عراقة الأمة الكوردية , و عمقها
التاريخي الممتد إلى أحد عشر ألف عام , مما لم يعد خافياً , و أن حدود كوردستان
الجغرافية كانت تشغل القوقاز الجنوبي الدافئ الواصل إلى حدود طبرستان و
أذربيجان , وهو امتداد طبيعي و جغرافي واسع , و صالح لنشأة الحضارات و سكنى
الإنسان , على ضفاف الأنهار الكبرى ( دجلة , الفرات , الزاب الكبير , الزاب
الصغير , الخابور , هيزل ... ) إلى جانب طبيعة تضاريسية متنوعة و خصبة , حيث
حوى الموطن الأول للإنسان القديم ( نياندرتال , كرومانيو ... ) كما يشهد على
ذلك كهوف ( دودري , شانه در , حساروست ... ) و هي كهوف مكتشفة في شمال سوريا (
جبال عفرين ) و جنوب كوردستان ( كوردستان العراق , شرق جمجمال ) .
كما تستدل الأبحاث و الدراسات الأثرية الموثقة على مكتشفات عظيمة الوقع في
تاريخ الحضارة الإنسانية , لتشكل وقعا جديدا , و مفهوما حديثا أذهل العلماء و
الدارسين , و أهم هذه المعالم و المواقع ( نيفالي تشوري , حموكر , ساراب تبه ,
زاوي شمسي ... ) مما سوف يجيء ذكرها في تحديد المراحل الرئيسية للتاريخ الكوردي
القديم , إضافة إلى ما ورد في البحث الرصين للأثري الفرنسي ( بوب) في الكشف
الدقيق عن مملكة عريقة في شمال سوريا بالقرب من سد الرستن في المنطقة الوسطى
بين حمص و حماة, هي مملكة ( آلالاخ ) هذا البحث الذي طبع في مطابع وزارة
الثقافة السورية , و قدم له الباحث الأثري السوري فهمي الدالاتي , مدير المتحف
الوطني بدمشق ,حيث ينصّ في رد الهجرات الأوروبية الأولى إلى أسلاف الكورد
الشماليين (الحثيين أو الهيتيين ) , حيث اكتشف في هذه المملكة ثماني عشرة طبقة
أثرية , و هي شمالية آرية محضة , لا تكاد تلتقي مع إنسان الجنوب القاطن في
البادية , إلى جانب دراسة أكاديمية موثوقة قدمت إلى جامعة كمبردج , تقدم بها
طالب الدكتوراة ( آ-ولسون) , حيث ذكر بالدليل العلمي هجرة الأوروبيين عبر
المتوسط من شمال سوريا , في بداية الألف الثالث قبل الميلاد , من أوساط الحثيين
, بخلاف الأبحاث السابقة التي كانت تركز على هجرتهم من القوقاز الشمالي , حيث
ثبت علميا استقرار الإنسان الأول في مناطق كوردستان ( القوقاز الجنوبي الدافئ )
. و مما ذهب إليه الدكتور فوزي الرشيد في كتابه " تاريخ الكرد القديم " : ( أن
اللولوبيين و الهوريين اللذين عاشا في الألف الثالثة ق.م شعبان أديا دورا
أساسيا في تكوين الشعب الكردي الحالي, كما أنهما أقدم شعبين معروفين سكنا
كردستان تربطهما صلات حضارية قوية, و قد ورد ذكر اللولوبيين في كونهم من سكان
سهلي شهرزور و زهاو و امتداداتهما .. و أن السوبارتيين و هم أيضا من شعوب
كردستان الأصليين عاصروا اللولوبيين و أدوا دورا مشابها لدورهم في تكوين الكرد
الحالي .. و أن البناة الأصليين لمدن كردستان شرقي دجلة هم من الشعوب
الزاغروسية الآرية القديمة ... المصدر نفسه ص5-6 و انظر تاريخ الكرد القديم, د/فوزي
رشيد بالاشتراك مع د/جمال رشيد ص41 .. ) .
و قد أسند البروفيسور الدنماركي هارولد إينكلوت مكتشفاته في البعثة الدنماركية
التي نقبت في دوكان الآثار الهورية المكتشفة في نوزي ( كركوك الحالية ) إلى
الألف الثاني قبل الميلاد, و في هذا الأثر التاريخي لوحات مدونة باللغة
الأكادية , تتضمن معلومات تاريخية مهمة عن الهوريين و حياتهم الاجتماعية و
الاقتصادية, هؤلاء الذين حكموا بلاد آشور على مدى قرن من الزمان و الذين شيّدوا
مدينة (طوزخورماتو) , و التي لا تزال تحتفظ باسمها إلى يومنا هذا, و خور تعني
النسبة إلى الخوريين التي كانت تطلق على الهوريين في اللغات السامية, و ماتو هي
المدينة في اللهجة الهورية الآرية ... انظر مجلة (سومر) الجزء الأول و الثاني ,
مجلد 13 ص 197-198 , و كركوك و توابعها ص 7 .. ) .
فاللولوبيون و الهوريون و السوبارتيون أو السوباريون من الأسلاف المتعاصرة و
المشكلة منذ آلاف السنين للمجموعة العرقية الأولى للشعب الكردي الذي يتجذر في
تاريخ منطقته, و الذي يعد شعبا أصيلا يتوازى مع الشعوب الآرية الأولى التي سكنت
منطقة آريان, و التي يشترك معها شعوب كالفرس و الأرمن و البلوش و الطاجيك و
الجورجيين و المجموعات الآرية التي تسكن أفغانستان الحالية, و أهم مجموعاتها
العرقية البشتون .
و قد جاءت دراستنا هذه ضمن سلسلة سوف تتوالى لتعمق هذا الفهم, و تكشف النقاب عن
تاريخ عريق , كتبه مؤرخون و أثريون بالاستناد إلى مصادر علمية موثوقة , و تلول
أثرية شاخصة, و عشرات الألوف من الرُّقم و الحجارة و الفخاريات و النقوش
المحفورة على الجدران الصخرية في مغاور و كهوف كردستان ( كوبادو , دودري ,
شاندر ... ) .
و قد استدل ولديورانت المؤرخ الأمريكي الحديث على حفائر سومرية وهورية و
ميتانية و ميدية فوقف طويلا عليها ووصفها في كتابه الموسوعي ( قصة الحضارة ),
فذكر القرميد السومري kerpic ) كما ذكر zilana deri و أشار إلى carox و mifta
dar ... ) على بعد أثنين و ثلاثين قدما تحت الأرض في جبال كردستان العراق, و
أرجعها إلى الألف الرابع قبل الميلاد ووصف السومريين بكونهم قوما آريين جبليين
أشداء متوسطي القامة, عيونهم واسعة لوزية, و في أنوفهم انحناءة آرية, و وقف على
الميديين طويلا ووصف حياتهم و بأسهم و رحلاتهم و انتقالهم, و صلتهم بالآريين و
اتصالهم العميق بالأرض الجبلية المذكورة.
و قد وقف المستشرق السوفياتي البروفيسور ( T.M.Diaconof ) المختص بفقه اللغات
الشرقية القديمة في متحف ( أرميتاج ) في لينينغراد على تاريخ الميديين في كتاب
مفصل له قدمه إلى معهد( تاريخ فلسفة الحضارة ) في أذربيجان السوفياتية عام
1956مستعرضا في سبعة فصول و مقدمة تاريخ الإمبراطورية الميدية الكبرى و جميع
الملابسات و الظروف المحيطة بهذا التاريخ عاقدا الصلة بين الميديين في الألف
الثالث قبل الميلاد و أسلاف الكرد من ( الهوريين و العيلاميين و اللولو و
الكوتيين .. ) كما ذكر العلاقة بينهم و بين الشعوب السامية من البابليين و
الآشوريين و تحدث عن ميتانيا ,( والتي تعد إحدى حلقات الحضارة الهورية
والمتداخلة تاريخيا مع الحضارة الميدية...), كما تحدث دياكونوف عن مملكة
الأسكيت و الكيميريين, كما وقف في الفصل الرابع على ظهور الإمبراطورية الميدية
و امتدادها و اتفاقها مع البابليين في إسقاط الإمبراطورية الآشورية في ( 612
ق.م ), ليحدد في الفصل السابع مآل هذه الإمبراطورية, و التي كان ذلك في ( 559
ق. م ) لتؤول إلى الإمبراطورية الساسانية التي أسسها الكرد كما ذهب إلى ذلك
العلامة المؤرخ ابن الأثير الجزري في كتابه الموسوعي ( الكامل في التاريخ " و
هو يقع في ثلاثة عشر مجلدا " ) و قد ترجم كتاب البروفيسور دياكونوف إلى
الفارسية ( ترجمه الأستاذ كريم كشاورز ) , كما ترجمه إلى الكردية ( الأستاذ
برهان قانع ) و ترجمته إلى العربية ( الدكتورة وهبية شوكت ) .
و قد حدد المؤرخ جغرافية ميديا بثلاثة أجزاء تمتد من القسم الغربي من نهر آراس
إلى جبال رودو من الجنوب في صف من الجبال المتصلة بسلسلة زاغروس, حيث كانت
تتنقل القبائل الكردية و الكردوخية بين نهر آراس إلى جبال أكري داغ و إلى مجر
نهر قرصو كان الكاسيون يستقرون في هذه المنطقة, كما ضمت هذه الجغرافية منطقة
بحيرة أورميا ( كليزان ) إلى منطقة أتروباتيا الميدية, وكان من أبرز ملوك
الميديين ( آرباكس, مانو دانوكس, سوسارم, نارينك, ناريبان ... ) وقد أشار إلى
رأي المؤرخ اليوناني بأن كورش الفارسي إنما يتحدر من صلب جده الميدي ( استياك
), الذي أحسن إليه و تنازل له عن العرش, و لم يكن كورش في عهد جده إلا قائدا
عسكريا ( كياكسار ) الذي ينسب إلى الملك الميدي ( استيك ).
و لا مجال للتفصيل في وضع هذه الإمبراطورية الشاسعة التي أنهت الإمبراطورية
الآشوريةفي 612 ق.م, هذه الإمبراطورية التي تفاعلت في الألف الثانية ق.م مع
الحضارة الهورية أيضا ( كما تدل الحفائر الحديثة في أوركيش .), و لا نريد أن
نخوض – في هذه العجالة في امتدادات الإمبراطورية الميدية و أوضاعها الجغرافية و
الاقتصادية و مراكزها و مناطقها, و الحروب و الأحداث الدامية في المناطق
السهلية و الجبلية, و ما كان بين سنحاريب و ملوك الميديين و ما كان بينهم و بين
ملك أورارتو ( روسا الثاني ) من عهود و اتفاقات, حيث يطلب هذا التفصيل في مظانه,
و في الدراسات التاريخية التفصيلية اللاحقة, إذ ما يهمنا من هذه الدراسة أن نقف
على التجذر التاريخي للامة الكردية و أسلافها العظام, و ما كان لهم من دور
تاريخي متصل الحلقات, مما يؤكد ما ذهبنا إليه وما سوف نؤكده في حلقات لاحقة من
الأثر الكبير الذي تركه الكرد ببصمات سجلتها الرقم و الأوابد الأثرية, مما لا
يجدي معه الإنكار و التجاهل المنطلقان من موقف مسيس , أو كراهية دفينة, أو
إلغاء بقصد القفز فوق حقائق الحياة و التاريخ. وقد كانت لنا جولة سياحية
وميدانية في معالم الحضارة الهورية في عاصمتهم المنسية زمنا طويلا,( أوركيش-
gire mozan في منتصف الألف الرابع ق.م(, والواقعة في الجزيرة السورية , شرقي
مدينة (عامودا), وعلى بعد سبع كيلو مترات, والتي كشف النقاب عن أوابدها
العالمان الأثريان ( جورجيو بوتشيللاتي و مارلين كيلي بوتشيللاتي) عام /1989/,
مما سوف نوافي بتفاصيلها ووثائقها في حلقة قادمة.
|
|