مرة أخرى .. تبرز العراقيل , وترتفع أصوات المنكرين

عبد الرحمن آلوجي

مرة أخرى ترتفع أصوات المنكرين على الكورد المكاسب الوطنية والقومية التي كانت ثمرة نضال طويل , وكفاح مرير .. ومرة أخرى تبرز العراقيل وتشتد الهجمة على أقدس ما ناله العراقيون عامة والكورد خاصة, طوال تاريخهم الحديث , من قهر الدكتاتورية , ونسف قواعد الاستبداد الذي امتدّ عقوداً طويلة , كانت بمثابة امتحان حياة ووجود لهم ؟!

لقد أدرك العراقيون الأحرار - من مختلف الشرائح والانتماءات والمذاهب والأعراق والاتجاهات – أن الحل الديمقراطي التوافقي هو خير للعراقيين , بل هو الحسم الذي لا بدّ منه للرد على الآثار المدمرة , والعواقب الآثمة , والجرائم التاريخية الهائلة , التي حصدت مئات الآلاف من أبناء هذا الشعب العريق , وأحرقت آلاف مؤلفة من القرى والمدائن والمزارع , شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً , لتكون كوردستان من أشد الساحات التهاباً وإيلاماً وتدميراً وتخريباً , وقتلاً وذبحاً وتشريداً , ولتبرز آلاف المقابر , وعشرات الألوف ممن دفنوا أحياء , شواهد حية شاخصة على جرائم العنصرية , ومنكراتها القذرة , عاراً عظيماً على البشرية , ولطخة سوداء دامية في جبين العنصرية المقيتة , متجسدة في نظام بائد , دموي .. أصلى البلاد والعباد الشر المستطير , وأحرق الزرع والضرع , تاركاً تلك المقابر الجماعية أثراً بارزاً , ومعالم ناطقة بأعتى ألوان الطغيان والجبروت والعنصرية وصورها .. ليأتي التحرير , وتنبلج شمس الحرية , ويبزغ فجر جديد , ينخرط فيه العراقيون , عرباً و كورداً و آثوريين و تركماناً , سنة وشيعة , مسلمين ومسيحيين في جبهات وكتل سياسية وائتلافات وتوافقات وتجمعات , تجمعهم أروقة البرلمان والحكومة ومؤسسات مدنية , ومنابر إعلامية , وقوى وطاقات تسعى لبناء عراق حرّ , ديمقراطي , اتحادي , فيدرالي , شكل الكورد فيه لسان الميزان , ونقطة التوازن , ومحور الحل كما قال السيد الأمين العام للجامعة العربية, كما كانوا مبعث الاستقرار والمصالحات والداعين إليها , والعاقدين العزم من أجلها في الأوقات والمناسبات كلها, في يقظة  وحذر,ودعوة وطنية صادقة, وإيمان بالعمل الجماعي , وعقد للتحالفات , وصحوة حقيقية على الجرح الكبير الذي خلفته الدكتاتورية الدموية,والذي بدأ يندمل ويتماثل للشفاء والمعافاة تدريجياً , في سعي إلى لملمة الشمل , وجمع الكلمة , وبناء حالة من الأمن والاستقرار ووحدة الصف والانطلاق لصياغة  دستور صوّت عليه ما يتجاوز ثمانية مليون عراقي في الخامس عشر من تشرين الأول عام 2005 م  , هذا الدستور الذي حدد آفاق العمل الديمقراطي والتعددية السياسية لعراق اتحادي يخرج من تلك المحنة السوداء , والكارثة الكبيرة التي قاده إليها ذلك النظام من خلال مغامراته وحروبه المدمرة , في مركزية استبدادية صارمة , خنقت الأنفاس , وقهرت القوى السياسية , ودمرت معالم الديمقراطية , وأسكتت كل صوت يدعو إلى حرية الرأي والتعبير , لتكون الانطلاقة الجديدة بعد التاسع من عام 2004 م , بداية عهد جديد ومنطلقا لحياة ديمقراطية ومدنية.

إلا أن آثار النظام السابق , و مخلفاته من أزلامه ومريديه وأتباعه والأنفار والأرتال المرعبة و المتدافعة في موجة هستيرية إلى تدمير العراق , وزرع الرعب في قراه ومدنه وأريافه , تارة باسم ضرب الاحتلال وأركانه وقواعده وقواه , وأخرى باسم الجهاد والدفاع عن مقدسات الإسلام المستباحة , وحيناً آخر باسم الحفاظ على وحدة العراق وعروبته , وما يتصل بكل ذلك من تدخلات داخلية وخارجية , وأشكال متعددة من أوجه الإرهاب والقتل الجماعي , وتدمير المنشآت والمرافق , وترويع الآمنين في الأسواق والمؤسسات , ودور العبادة , وما طال المسيحيين من تهديد جماعي في الموصل .. كل ذلك , إلى جانب صيحات هنا وهناك تعيد إلى الأذهان المسيرة الديمقراطية – التعددية المتعثرة , وبقايا نظام صارم جلاد وفاتك شرس, وجه الإعلام والتربية وأجهزة الدولة وبرامجها ومناهجها طوال عقود بائسة إلى مزالق خطيرة , شوهت الفكر , وأصابت مفاصل العمل السياسي , وهددت القيم العالية و السمحة , وزرعت الرعب والفساد , مما استدعى وقفة طويلة متأملة , ودعوة واضحة وصريحة إلى الحفاظ على المكاسب الوطنية الكبرى للعراق ككل , ولإقليم كوردستان وتجربته الرائدة الفتية , وما كان يشكل من ملاذ آمن ومنطلق حي للمعارضة الوطنية قبل سقوط النظام , وفي أعتى جبروته وطغيانه , كقوة ضاربة ومؤثرة تواجه النظام و عسفه وجوره وطغيانه , وما كان للشعب الكوردي وحركته وقادته من ضريبة الدم والتضحية بالأموال والممتلكات مما ألحق التدمير والتخريب الهائل بالبنية التحتية , مما ينبغي الوقوف عنده وتقديره , وحسن مراجعة المواقف السلبية والمواقف الغريبة والمثيرة لتساؤل عميق, في الدعوات إلى تقليص صلاحية الإقليم ورئاسته والحد من السلطات الممنوحة , ووضع العراقيل المتواصلة على تطبيق مواد الدستور العراقي المستفتى عليه , وبخاصة المادة / 140 / والتي طالت المماطلات في تطبيقه , والجدل المحتدم الذي طال الكتل السياسية ودخل رواق البرلمان بعنف , بعد ما ثبتت في الدستور وبعد أن  تقرر في الفقرة الأولى منه " تولي السلطة التنفيذية اتخاذ الخطوات اللازمة لاستكمال تنفيذ متطلبات المادة /58/ من قانون إدارة الدولة العراقية , للمرحلة الانتقالية بكل فقراتها .. " كما جاء في نص المادة , بالإضافة إلى تحديد السقف الزمني الأقصى لعمليات : " التطبيع , الإحصاء , الاستفتاء على المناطق المتنازع عليها في كركوك لتحديد إرادة مواطنيها في مدة أقصاها 31 من شهر كانون الأول 2007 " وهو ما ورد بالضبط في الفقرة الثانية من المادة /140/ من الدستور العراقي , حيث نجد عنصر المماطلة ومدّ العامل الزمني واضحاً في المناورات السياسية المتواصلة , بالإضافة إلى إقرار البرلمان العراقي المادة /24/  كنص بديل يطرح تقسيم السلطة في كركوك " بين المكونات الرئيسية الثلاث بنسبة 32% لكل مكون  من المكونات الرئيسية ( عرب , كورد  , تركمان ) و 4% للمسيحيين " كما جاء في الفقرة الثانية من المادة المذكورة أعلاه لتؤكد الفقرة الثالثة منه منطق القوة , والتي تنص على : " أن يتعهد بالملف الأمني إلى وحدات عسكرية مستقدمة من جنوب ووسط العراق بدلاً من الوحدات العسكرية العاملة حالياً " وهو يعيد إلى الأذهان العقلية الإقصائية والعسكرية البائدة والداعية إلى تشكيل مجالس إسناد في المناطق المتنازع , وهو مرفوض رفضاً قاطعا من رئاسة إقليم كوردستان لأنه مدعاة للفتنة كما ورد في المؤتمر الصحفي الأخير للأخ المناضل مسعود البارزاني إثر عودته من زيارته الأخيرة  لواشنطن , وهو تلويح واضح باستخدام القوة , وتذكير بعقلية مندثرة وبائدة , و دغدغة لمشاعر أولئك ( الجحوش ) و أزلام السلطة البائدة من بقايا خونة الشعب الكردي , ممن كانوا سندا للطغيان و عونا له في قتل الكرد و وأدهم, و إعادة جديدة لصياغة كتائب المرتزقة و العنصريين و بقايا الحاقدين , من متخلفي الركب, ممن صنعوا المجازر ذاتها, و كانوا أدوات رخيصة بيد النظام و إبادته الجماعية, كما أصرّ الرئيس المناضل في مؤتمره الصحفي الأخير  على عدم القبول بأي تعديل ينال من صلاحيات الإقليم الدستورية , بما يمس مكاسب الشعب الكوردي , ومصالحه الأساسية , والذي تمثل في التصريح الأخير لرئيس مجلس الوزراء السيد نوري المالكي الذي تجاوز أسس وقواعد دستور ٍ مستفتى عليه , ولما يمض ِ على إقراره والاستفتاء عليه ما يدعو إلى مراجعته أصلاً .

إن كل تلك المحاولات والمماطلات والالتفافات, مما يضير العملية السياسية برمتها والعملية الديمقراطية الناشئة والمترنحة, والتي تكاد تتداعى تحت سياط المجموعات الإرهابية ومسانديها والمتوافقين مع تصعيد وتائرها في الآونة الأخيرة كما  يهدد التوافق والتواصل بين الكتل السياسية وتحالفاتها , إلى جانب مساس بالأصل التشريعي وتفريعاته , وشرعية الاحتكام إلى قواعده , مما يعدّ سابقة لا يمكن إصلاحها إلا بالعودة إلى القيم الديمقراطية والعدالة والشراكة الكفاحية , والاعتبار بدروس الماضي وعبره , وضريبة الدم المسفوح قرباناً للحرية وثمراتها , ونبذ الكراهية العنصرية وآثارهما البغيضة وما تجره من تهديد فعلي لوحدة العراق الفيدرالي الاتحادي , وتلاحمه وتكامله , وازدهاره في ظل حياة جديدة معاصرة تحقق الأمن و الإعمار والاستقرار للعراق عامة وللشعب الكوري بشكل أخص .

 
Link

News

Kdps

Gotar

Wêne

Stran

Têkilî

أتصل بنا

أغاني

صـور

مقالات

ك.د.ب.س

أخبار

مواقع الكترونية