هل الإستراتيجية

الأمريكية في المنطقة تسير وفق مارسم لها؟!

إبراهيم هاواري

29.08.2007

في النصف الأخير من العقد السابع للقرن المنصرم دخلت القوات السورية الأراضي اللبنانية في عهد الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد بطلب من الشرعية اللبنانية برئاسة سليمان فرنجية ومباركة عربية ورضىً دولي، بهدف استتباب الأمن واستعادة الحياة الطبيعية ولحماية وحدة الأراضي اللبنانية، ولاشك أن القوات السورية قد تم الترحيب بها من قبل معظم القوى والفعاليات والطوائف اللبنانية باعتبارها القوة التي ستعيدهم إلى سابق عهدهم من الأمن والإستقرار، وقد غيرت هذه القوة مواقعها القتالية واصطفافاتها التكتيكية مرات عديدة، حيناً وقفت إلى جانب المارونيين ضد الفلسطينين، وحيناً آخرمع المسلمين ضد المسيحيين، وحيناً آخر ضد الجميع، وبدى الأمرللوهلة الأولى للمراقب السياسي وكأنها تلعب بالفعل دوراً حيادياً لتحقيق التوازن الإستراتيجي بين مختلف الطوائف لصالح الوطن اللبناني على أرضية لاغالب ولامغلوب، ولكن ماأن رسخت القوات السورية أقدامها في أرض لبنان، تحولت شيئاً فشيئاً إلى قوة احتلال

تؤيد كل من يتواطأ ويتعامل معها على حساب المصالح العليا للشعب اللبناني، وتقاتل من تقف في وجه مخططها الرامي إلى جعل لبنان رويداً رويداً محافظة من المحافظات السورية، وهكذا بدأت بالفلسطينين وارتكبت بحقهم في تل زعتر وغيره من المجازرمالم يرتكب الإسرائليون شبيهاً لها أوبحجمها في واقعة واحدة في تاريخ حروبها مع الفلسطينين، ثم صبت جام غضبها على الطائفة الدرزية واغتالت زعيمها الكبير كمال جانبولات الشخصية السياسية الكبيرة المعروفة على الصعيدين المحلي والعالمي، صاحبة الأيادي البيضاء حيال المستضعفين من الطوائف اللبنانية وفي مقدمتهم الأقلية الكردية، ثم تتالت جرائمها بحق الطوائف الأخرى دون استثناء وعلى رأسها الطائفة المسيحية التي كانت قد استغاثت بهم سابقاً، والطائفة السنية وغيرها، وختمت جرائمها النكراء باغتيال الشيخ رفيق الحريري رئيس وزراء لبنان الأسبق ثم اغتيال العديدن من الشخصيات اللبنانية البارزة من أمثال جبران التويني  وبيار الجميل نجل الرئيس اللبناني الأسبق أمين الجميل وآخرين وآخرين، ولما بلغ السيل الزبى وطفح الكيل كما يقال، أخرجت هذه القوات ذليلة مهانة بقوة قرار الأمم المتحدة، ولايزال النظام السوري يندب حظه السيء بطرده مذموماً مدحوراً، ويعمل كل مافي وسعه لتعود إليه الأيام الخوالي في لبنان ولكن هيهات هيهات فنيل المرامي ليس بالتمني.

 والقوات الأمريكية هي الأخرى دخلت العراق بتنسيق مع القوى المعارضة العراقية التي بينت الإنتخابات البرلمانية الأخيرة أنها كانت تمثل النسبة العظمى من الشعب العراقي  ومنهم بالتأكيد الشعب الكردي في جنوب كردستان وهاهي تكاد تقترب من عامها الخامس منذ أن أسقطت صنم ديكتاتور بغداد وكان سقوطه يعد إيذانا بسقوط حكمه نهائياً وإلى الأبد، وهذا مالايريد أتباعه وأيتامه أن يصدقوه، لذا لايتركون وسيلة من الوسائل غير المشروعة دينياً أو قانونياً أو إنسانياً إلا ويتبعونه لإسترجاع مافقدوه من أيام العزوالجاه والبحبوحة، فهاهم يقتلون النساء والأطفال والشيوخ ليرغموا القوات الأمريكية على مغادرة العراق ظناً منهم أن القوات العراقية لم يكتمل بناؤها بعد وسيسهل عليهم الإنقضاض على الحكومة المنتخبة ديمقراطياً واجتثاث جذورها لتعود عقارب الساعة متقهقرة إلى الوراء، ناسين أن الشعب العراقي بعد أن ذاق طعم الحرية والكرامة بإسقاط حكم صدام لن يسمح مهما كلفه ذلك من ثمن بعودة الديكتاتورية مرة اخرى إلى البلاد، لكن مايجري حتى اليوم في العراق من عدم استقرارأمني هناك، ومن قتل للإنسان العراقي على الهوية وتدمير للبنى التحتية لايعود سببه فقط إلى  الأعمال الإرهابية التي يقوم بها الصداميون من جهة والتكفيريون بشقيه السني والمتحالف مع منظمة القاعدة، والشيعي المتحالف مع إيران وسورية من جهة ثانية، وعملاء تركيا من الجبهة التركمانية وغيرها وبدعم غير محدود من دول عربية أخرى، لإفشال التجربة الديمقراطية في العراق.

إن السياسة الأمريكية المنتهجة هناك والتي تقوم هي الأخرى على المحافظة على مبدأ التوازن بين الأعراق والطوائف العراقية في عملية ترقيعية ومهادنة لقوى الشرأوبتعبير آخر عدم التمييز بين من استقبل قواتها بالورود والزغاريد وبين من استقبلها بالسيارات المفخخة وبالأحزمة الناسفة،والحيلولة إلى حد بعيد دون استرجاع أصحاب الحق حقوقهم كاملة من أولئك الذين اكتووا بنار الديكتاتورية عقوداً من الزمن يعتبر سبباً جوهرياً في المراوحة الأمنية مكانها، وبدى مانشير إليه واضحاً على لسان السفير الأمريكي في العراق وهويطالب بتأجيل تنفيذ المادة 140 المتعلقة بالمناطق المستقطعة من جسم كردستان العراق والتي عمل معول الهدم الصدامي في تغيير تركيبتها الديمغرافية لصالح القومية العربية السائدة، والموقف الأمريكي غير الفاعل من المجزرة الرهيبة التي ارتكبها الإرهابيون بحق الطائفة الإيزيدية الكردية المستضعفة في منطقة سنجار مؤخراً، إلى جانب التهديات التركية الإيرانية لزعزعة الأمن والإستقرار في إقليم كردستان، بل وهي تنفذ تهديداتها على أرض الواقع من خلال قصفها لقرى حدودية آمنة منذ أسابيع دون أن تحرك القوات الأمريكية ساكناً وهي الدولة التي أعلنت عن نفسها عقب دخولها العراق كدولة إحتلال وبالطبع في هذه الحالة ستكون مسئولة مسئولية كاملة عن حماية أي جزء من أجزاء العراق بما فيها إقليم كردستان، بل ومسئولة أيضاً عن تفيذ كل ماتم الإتفاق عليه من قبل الشعب العراقي بالطرق الديمقراطية، والمدون في الدستور العراقي المستفتى عليه، إن التهاون في هذه المسائل الجوهرية يشجع المتمردين الخارجين على القانون كي يتمادوا في عنادهم ويتمسكوا بمواقفهم المبنية أصلاً على إنكار الآخر المختلف عنه عرقاً أو ديناً أومذهباً، ويربكوا المشروع الأمريكي في المنطقة برمتها، ويدفعوا بالموالين إلى التشكيك بالمصداقية الأمريكية المتارجحة بين التثبيت والإسقاط ، وهي تمر في أدق مراحلها باعتبارها مستهدفة من قبل معارضين لسياسة بوش من الداخل الأمريكي نفسه، وإذا ماتحققت نبوءة هؤلاء المتشمتين وفشل بوش ومشروعه في العراق فسوف تكون بداية النهاية لنظام العولمة الجديد، وهذا مالا يضعه الديمقراطيون الأمريكان في الحسبان‘ إن الإدارة الأمريكية ومعها الشعب الأمريكي أمامه خيار واحد لاثاني له إن أرادت أن تحافظ على هيبة أمريكا وعلى مصالحها وعلى  زعامة أمريكا للعالم، ألا وهو العمل بكل ماأوتي من قوة للحفاظ على مصداقيتها من خلال تنفيذ وعودها لكل من وقف إلى جانبها في الأوقات العسيبة وفي الظروف الصعبة، وبالتالي عليها أن تتخذ موقفاً واضحاً وصريحاً من كل المسائل العالقة في العراق، مع الفرز التام بين الصديق الوفي الذي برهن على مصداقيته بالخطوات العملية، ممن استبشروا خيراً بقدوم أقطاب الديمقراطية والعولمة من وراء البحاربقيادة أمريكا، ليسهموا بشكل فعَال في بناء دولة القانون والمؤسسات وقطع دابر الفساد، حتى تواكب المنطقة العالم المتحضرتقدمه وازدهاره ويغدو أبناؤها لبنات صالحة للبناء في صرح الحضارة الإنسانية العالمية وبين المناهضين لنظام العولمة والساعين بكل مالديهم من وسائل لإفشال عملية الدمقرطة في المنطقة برمتها.

إن اتباع الإدارة الأمريكية سياسة غامضة غير واضحة المعالم تماماً ودون إجراء فرز بين المحق والمعتدي، كالتي اتبعتها القوات السورية في بداية دخولها لبنان قد تخلق الشكوك حيال نوايا الأمريكية ومشروعها الشرق أوسطي الكبير، وبخاصة تهديدات ثالوث الشر المتمثل في القاعدة وأذنابها، وإيران وأتباعها، ويتامى البعث ومن والاهم من القومجيين العرب والترك، وهم يكشرون عن أنيابهم ويعبرون جهاراًعن نواياهم  في الإنتقام  من كل من أعان الجيوش الأمريكية في إسقاط نظام صدام واحتلال العراق بمجرد مغادرة قوات التحالف أرض العراق وهاهم يتكالبون على إقليم كردستان من الداخل ومن كل الجهات بغية إفشال الفدرالية القائمة هناك.

في استهتار واضح من الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد بالقوات الأمريكية في العراق وهو حسب قناعته يدق المسمار الأخير في نعش تلك القوات، حيث يقول أن الجيش الأمريكي ثبت فشله في العراق ونحن بإمكاننا وبالإشتراك مع السعودية أن نملأ الفراغ الذي سيحصل بعد خروج الأمريكان هناك، ولايتردد  أحمدي نجاد في أن يعلن عن نواياه العدوانية في استخدام سلاحه النووي ضد إسرائيل.

إن هذا التمادي السافر من قبل قوى الإرهاب في المنطقة،  ينبغي أن يكون حافزاً قوياً للقوى الديمقراطية والمحبة للسلام لتعمل على تمتين جبهتها وتقوي تحالفها فيما بينها يوماً بعد يوم وفي مقدمتها أمريكا ، فالمعركة مصيرية وهي مسألة وجود أو عدم وجود لامسألة حدود، وفي هذه الحالة لن يجدي مع هؤلاء إلا القوة بما تعني الكلمة من معنىً شمولي، وهناك مثل شعبي كردي يقول قبل أن يبلغ الأفعى غايته من النمو فدق راسه وإلا فلن تفلح في القضاء عليها وهي  كبيرة.

صحيح أن المشروع الأمريكي قد تلكأ في بعض مراحله، إلا أن ذلك لايعني فشله بحال من الأحوال مثلما يتمناه المتربصون به ً وينشدون خروج قواته من المنطقة اليوم قبل الغد، وخاصة أن الإنتخابات البرلمانية  والرئاسية الأخيرة في تركيا ووصول حزب العدالة إلى الحكم مجدداً وبصورة أقوى من ذي قبل حيث أصبحت طوع بنانه السلطات التشريعية والتنفيذية ورئاسة الجمهورية وربما السلطة القضائية في الأيام المقبلة، الأمر الذي يلجم سلطة الجيش الذي كان يفرغ العملية الديمقراطية في تركيا من مضمونها الحقيقي على الدوام، والذي وقف موقفاً سلبياً من عملية تحرير العراق منذ بداياتها وأوعز إلى البرلمان التركي عدم التصويت لصالح التعاون مع مرور القوات الأمريكية من تركيا باتجاه العراق، وكان يعمل بالتواطؤ مع القوى المناهضة الأخرى في المنطقة على إفشال عملية التحريرمما شكل موقفه هذا حجرة عثرة كأداء أمام المشروع الأمريكي الهادف إلى إعادة ترتيب الأوراق في المنطقة على أساس من نظام العولمة الجديد، ولجم الدكتاتوريات والقوى المعادية للديمقراطية وإن بشكل مرحلي.

إن إمكانية جر الأتراك إلى الصف المناهض لثالوث الشر المشار إليه آنفاً أصبح ممكناً، ودفعهم باتجاه حلحلة القضية الكردية وفق أسس الديمقراطية، وبخاصة يعتبر ذلك شرطاً من الإتحاد الأوربي لانضمامها إلى الإتحاد مستقبلاً وهذا ما يؤدي إلى إضعاف الصف المعارض لنظام العولمة وبالتالي ازدياد فرص النجاح.  

 

     

 

Link

News

Kdps

Gotar

Wêne

Stran

Têkilî

أتصل بنا

أغاني

صـور

مقالات

ك.د.ب.س

أخبار

مواقع الكترونية