في أوروبا الكوردي اللذي أصبح عبدا للعبيد

و لأموال الدنيا: أين سيكون مصيره ؟..

د.محي الدين شاهين-ايطاليا-31 تموز 2008


في الاسبوع الماضي ذهبت مع عائلتي للسياحة في النروج والبالتحديد الى العاصمة اوسلو و حيث هي الزيارة الاولى لهذا البلد الجميل و الغني من الناحية الاقتصادية.
و من خلال زيارتي هذه التقيت و تعرفت بمجموعات كوردية من كوردستان العراق: فأول مرة داخل الترام و في المرة الثانية في احدى الحدائق العامة و آخرها في القطار الذي كان يقلنا الى مكان سياحي و في الصباح الباكر و كان هناك في نفس العربة و التي كنا جالسين على مقاعدها و على مقربة منا أربعة من الشباب الكورد و كانوا برفقة اثنتين من بنات أفريقيا. ففي بداية الأمر فكرت بأن تكونا من حبيبات اثنين من هؤولاء الشباب الاكراد و بأنهم هم الآخرين متوجهين إلى مثل هذه الاماكن السياحية و لكن اكتشفت فيما بعد بأن هاتين البنتين تحملن الاوراق الثبوتية لهؤولاء الشباب و تقودهم الى مدينة VOSS بحثا عن العمل. و قال لي أحدا من
هؤولاء: يا بسمام إننا قادمين من اليونان و هو بلد يشبه كوردستان كثيرا من عدة نواحي ولكن لا توجد فيها أمكانية العمل.


قالوا لي بأنهم من أهالي مدينة السليمانية. ففي الماضي و تحت الأمر الواقع و بقوة السلاح اجبر من بقي على قيد الحياة الى ترك المدن و القرى الكوردية و خاصة من المناطق الغنية بالنفط ، مثل كركوك و المناطق المحيطة بها ، لذا استعربت مناطق شاسعة من الأراضي الكوردية. و أما الآن، فهل بإمكان الأكراد طواعية ترك مابقي من اراضيهم في السليمانية و أربيل و غيرها للشعوب الغير الكوردية و اللجوء إلى بقاع العالم، بحثا عن حياة أفضل ؟.


فهنا أتذكر ما سمعته في عدة مناسبات من أفواه أكراد العراق و المقيمين في ايطاليا، بانه يوجد مجال كبير للعمل في كوردستان العراق، في مناطق يعم فيها السلام و الاستقرارالسياسي و في تطور اقتصادي و اعماري مستمر.


إذا هكذا الأمر، لماذا مثل هؤولاء الشباب يتركون هذا البلد، أي العراق و حيث رئيس جمهوريته هو زعيم كوردي مشهور و كذلك نائب رئيس الوزراء و عدد آخر من الوزراء، بالاضافة إلى العديد من الشخصيات القيادية و السياسية و الذين يشغلون مناصب حكومية مهمة، هم أيضا من الأكراد ؟.


و هنا يطرح سؤآلا على نفسه: عند وصول هؤولاء الشباب إلى هذه الدول، أي عمل أو مستقبل ينتظرهم ؟. و كيف سيكون
مصير هؤولاء و مصير عائلاتهم و أولادهم على المدى البعيد ؟. بالتأكيد معظم هؤولاء الأولاد اللذين يكبرون أو يولدون هنا، يذوبون كالثلج ضمن مجتمعات هذه الدول.

 
في السنوات الأخيرة بين فترة و اخرى سمعنا و مع الأسف الشديد أنباء عن وفات كوردي أو مجموعات كوردية غرقا في مياه البحر الأبيض المتوسط الهائج اثناء سفرهم، نتيجة الأمواج العالية أو حتى البحارة الظالمين كظلم البحر نفسه شلفوا إلى البحر، اناسا ليس لهم القدرة و المقاومة في السباحة لمسافات بعيدة و لمواجهة هذه المخاطر.


لا تنتهي المغامرة للمحظوظ اللذي يصل الى الشواطئ الايطالية أحياءا، بعد ما يبيع في مسقط رأسه كل ما لديه من الأموال و حتى يدين ثمن البطاقة و مصاريف السفر و بعد قطع مسافة طويلة جدا و شاقة و خطرة في أكثر الأحيان و استعمال وسائل النقل العديدة اثناء مروره عبر حدود الدول العديدة من الدول المحيطة بالبحر الأبيض المتوسط، مثل ألبانيا و اليونان و مصر و تونس و ليبيا. فعند دخوله إلى الأراض الايطالية، يسلم إلى العصابات المنظمة و المافيا و حيث يوضعون هؤولاء السيئي الحظ في الشاحنات بعد دفع اجور السفر.


و اذ تسمع أحيانا بأن هؤولاء الباحثين عن حياة أفضل، ماتوا اثناء السفر، اما من الجوع أو خنقا في هذه الشاحنات: في البرادات أو تحت الجبس أو البطيخ أو داخل صناديق الخضر و الفواكه. و فيما بعد هؤولاء الوحوش من سائقي الشاحنات، قبل أن يكشفو من قبل السلطات، يقذفون بأجساد هؤولاء الناس في نقاط على طول الطريق.


و كالعادة هذه و غيرها من الأحداث المأساوية و التي تصيب أبناء شعبنا و كذلك أبناء الشعوب الاخرى المظلومة تحدث على
مرئا و مسمع المنظمات الدولية و الحكومات التي تدعي بحرية و حقوق الانسان.
و لمتابعة الشوط الآخر من مسلسلة هذه المسيرة الدراماتيكية لهؤولاء الاناس في القرن الواحد و العشرين، عصر التقدم و التكنولوجيا، عصر الحريات و التحرر لكثير من شعوب الارض.


ففي كثير من الحالات و عند وصول هؤولاء الهاربين عادة من الفقر و من الملاحقات من قبل سلطات بلادهم،لا يلاقون معاملة حسنة من قبل سلطات الدول المستضيفة، بل بالعكس تلاحقهم هي الاخرى و أحيانا تردهم الى موطنهم الأصلي.


و هناك في العاصمة النرويجية اوسلو، أذكر كمثال: لاحظت مظاهر تعيسة في بداية الشارع الرئيسي المزدحم بالسواح و المارة و اللذي يمر عبر البرلمان و أمام الجامعة و ينتهي بجنة القصر الملكي. رأيت أكثر من مرة أفراد من الجاليات الأجنبية تبحث عن المأكولات والمشروبات في داخل الحاويات و آخرون يطلبون النقود وفي الليل رأيت اناسا تنام على الرصيف و حتى فوق الدرج. و عند حلول الظلام شاهدت العديدات من البنات السود من 15 سنة الى 40 سنة من عمرهن ، تحرض وتلاحقن الرجال و حتى المسنين، بحثا عن الأرزاق للعيش. فهل هذا كان هدف وما يحلمون به هؤولاء المغتربين عندما غادروا أوطانهم ؟.


مع احترامي لهذا البلد و اللذي لاحظته بلدا حضاريا و مزدهرا وعادلا مع الأجنبي وبالتأكيد هذه المظاهر منتشرة في كل عاصمة و في كل مدينة كبيرة من الدول الأوروبية.

 
و أما في الدولة الايطالية، فكل شبابنا الأكراد يعملون مايصح له و حتى الشغل المتعب و المرفوض عادة من قبل أبناء هذا الشعب.
كثيرا من اخواننا يقضي ساعات طويلة و متواصلة في أماكن الشغل.عرفت اناسا فقد الكثير من أيام شبابه ما بين البيت و العمل: يقضي ساعتين من بيته إلى مكان العمل و من ثم يبدأ بالعمل النظامي لمدة 8 ساعات متواصلة و بعدها 3  أو 5 ساعات من العمل الايضافي و أخيرا الرجوع إلى البيت و ساعتين أخرى يقضيها على وسائل النقل إلى أن يصل إلى بيته. و هكذا الأمر طوال أيام
السبوع.


هذا الشاب يخرج من البيت في الظلام ويرجع بالليل كذلك الأمر، لايرى نور الشمس و لا يشعر بحرارتها. عجبا بأية قوة يرجع إلى بيته و بأية معنويات و عزيمة يبدأ بالشغل في اليوم التالي. آه أين شمس كوردستان الدافئ و الحنون بين الأهل و الأقرباء.


أي ذنب أو جريمة اقترفه هذا المسكين حتى يستحق هذا العذاب في هذه البلاد الجميلة ؟. الكثيرون لا يعرفون أين اتجاه البحر أو الجبال العالية الخضراء أو الوديان أو البحيرات أو رؤية الشلالات. متى ستسنح فرصة لهؤولاء الشباب أن يقومو برحلة سياحية لمشاهدة الأماكن الأثرية و الطبيعية الجميلة الأخرى في العالم ؟.


أعرف كثيرون ممن اشترى بيتا ليسكن فيه هو و عائلته، اشترى هذا البيت و بأقساط شهرية عن طريق البنوك و لمدة 30 سنة. فمن يبلغ من العمر الآن 30 سنة عندما ينتهي من دفع آخر هذه الأقساط، سيبلغ عمره 60 سنة. سيشتغل كل هذه السنوات الطويلة
من عمره لسد هذه الأقساط الشهرية و مصاريف و حاجيات عائلته و أولاده. وإذا استمر الحال بهذا الشكل فسوف لن يصبح له مجال أو الوقت لقضاء بعض فترات من الرفاهية، مثل جيرانه الايطالي. فهذا الانسان الشغيل ماذا ذاق من طعم و من لذة الحياة خلال هذه السنوات الطويلة من عمره ؟.


ياأيها الأخ البطل الصامد: بطبيعة الحال في بيتك انت ملك لنفسك و تستطيع أن تفعل بما تشاء وأن تشتغل أيضا 24 ساعة متواصلة و لكن كنصيحة أخوية، حاول بقدرالامكان أن لا تصبح عبدا للشغل اللذي لا نهاية له، أن لا تنتظر إلى بلوغك السن الستين لقضاء الأيام الجميلة. انني أتمنى لك الصحة و العافية وأذكر لك بأن لذة الحياة في سن الستين تختلف أي تقل كثيرا عما عليه في أيام شبابنا أو في منتصف هذا العمر.

 و غدا لا سمح الله، إذا لم تكن محظوظا حتى في بيتك، ربما ستسمع في المستقبل، مباشرة أو غير مباشرة، كلمات أو عبارات مثل: لعنة الله على أبي و اللذي حرمنا من كل شيئ، طوال تلك السنوات: الحرمان من أماكن السياحية، داخل و خارج البلد المقيم فيه و الحرمان من الرفاهية، كما هو منتشر ضمن المجتمعات الأوروبية و أحيانا الحرمان حتى من الرحلات المدرسية، خلافا لزملائهم في صفوف مدارسهم.


كل هذا الحرمان من هذا و ذاك، نتيجة دفع أقساط الخلوي و التلفزيون و أثاث البيت و السيارة وإلى آخره و بالاخص أقساط ذلك البيت اللذي أصبح بلوة علينا و على عوائلنا خلال تلك المرحلة الطويلة من عمرنا.


و لكنني إذا سمحت لي ألومك عندما اسمع بأنك لم تحضر عيد النوروز و الذي يأتي مرة في السنة أو بأنك لم تشترك مع بقية اخوانك في رحلة أو في مظاهرة أو حتى في اجتماع فيما بيننا لأنك لا تملك المصاريف لأداء أدنى واجب عليك لخدمة شعبك و للتكاتف مع أبناء جلدتك و اللذين يضحون بأنفسهم لترتيب تلك النشاطات و لو هي بسيطة بحد ذاتها و تبحث عن حجج و أسباب لتبرهن مواقف البخل و عزلتك و موقفك الغير الوطني. و بطبيعة الحال لومي موجه فقط للبعض لمن لا يقوم بواجباته الوطنية و الانسانية (حيث لم يشترك و لا مرة عندما يبحث عن جمع المال لمساعدة بعض الاخوة في بعض مواقف الصعوبات و الضروريات ).


 
أتمنى لكم حياة فعلا أفضل و أجمل و أسهل و أهدأ


د.محي الدين شاهين-ايطاليا-31
تموز 2008

 
Link

News

Kdps

Gotar

Wêne

Stran

Têkilî

أتصل بنا

أغاني

صـور

مقالات

ك.د.ب.س

أخبار

مواقع الكترونية