|
|||||
|
مدخــل
دراسات سوسيولوجية في الشخصية الكردية ( الحلقة
الأولى) ومع هذا كله لم أجدني متردّداً في الإقدام على الكتابة في موضوع كتردّدي في كتابة موضوع (الشخصية الكردية)، لا بل إني أراقب نفسي منذ ما يزيد على شهرين، فأجد أن الأمر يتجاوز دائرة (التردد)، ويدخل في دائرة (التهيّب)؛ إذ يبدو لي أن من أصعب الأمور أن يكتب المرء عن شخصيته، فلا يُقزِّم ولا يبالغ، وأصعب منها أن يكتب عن شخصية غيره، فلا يجامل ولا يتطاول، وما دام الأمر هكذا كيف تكون الحال إذا كتب المرء عن شخصية شعب؟! والحقيقة أن موضوع الكتابة في (الشخصية الكردية) ليست رغبة جديدة علي، وأذكر أن نفسي حدّثتني بتأليف كتاب في هذا المجال منذ ما يزيد على خمس سنوات، وكنت حينذاك أعمل في كتاب (تاريخ الكرد في الحضارة الإسلامية)، وكان العنوان الأول في الفصل الثالث هو (الشخصية الكردية)، وقد تناولت في حوالي (15) صفحة من ذلك الفصل بعض ما قيل قديماً وحديثاً في سمات الشخصية الكردية، وحرصت على أن يكون أصحاب تلك الأقوال والشواهد من غير الكرد، لأضمن أكبر قدر ممكن من الموضوعية، ثم أوردت آرائي الخاصة في هذا المجال، لكن باختصار شديد، إذ لم يكن المقام مقام توسع وتفريع؛ وقلت لنفسي حينذاك: لا تكفي كتابة بضع صفحات في هذا الموضوع المهم، وإنما الأمر بحاجة إلى كتاب برأسه.
رحلات معرفية 2 المسار الثاني: هو البحث في سيرة مشاهير الكرد، ولا سيما في العهود الإسلامية، اعتقاداً مني بأن مشاهير كل أمة هم الفئة التي تتقمّص القدر الأكبر من السمات الشخصية التاريخية لتلك الأمة، وتجسّدها في مواقف وأحداث معيّنة، كما أن مشاهير كل أمة هم الفئة الرائدة والقائدة فيها، وهم النخبة الذين يصنعون تاريخها، ويقومون بأدوار فعّالة جداً في صناعة مصائر أجيالها، بغضّ النظر عن ملامح تلك التواريخ وطبيعة تلك المصائر؛ وإلا فكيف لنا أن نعرف- مثلاً- الشخصية العربية من غير معرفة الزعيم القرشي قُصَيّ بن كِلاب، أول من نظّم الشؤون الدينية والدنيوية في مكة عاصمة العرب الثقافية والاقتصادية قبل الإسلام، ومن غير معرفة عمر بن الخَطّاب ومُعاوِية بن أبي سُفْيان وأبي جَعفر المنصور، في الإسلام؟ وكيف لنا أن نعرف الشخصية الفارسية من غير معرفة كورش الثاني، ودارا الأول، وأردشير بن بابك، قبل الإسلام، والفِرْدَوْسي، والشاه إسماعيل الصَّفَوي في الإسلام؟ وكيف لنا أن نعرف الشخصية التركية من غير معرفة السلطان أَلْب أَرْسلان السلجوقي، والسلطان سليم الأول العثماني، ومصطفى كمال آتاتورك؟ وجدير بالذكر أني خرجت من تلك الرحلة الثقافية، على المسارين، بمعلومات مفيدة وأفكار جديدة، وانفتحت لي آفاق في التاريخ الكردي كنت لا أعرف عنها إلا القليل، وقد وظّفت الكثير من تلك المعلومات في كتاب بعنوان (دولة ميديا: ملوكها وأحداثها)، وأيضاً في (56) حلقة ضمن سلسلة نشرتها على شبكة الإنترنت بعنوان (مشاهير الكرد في التاريخ)، ثم جمعت بين بعض حلقات تلك السلسلة في كتاب بعنوان (عباقرة كردستان في القيادة والسياسة)، وأنتظر الانتهاء من بعض المشاغل الثقافية الملحّة؛ لاستكمال البحث في هذا الميدان. ولا ريب في أن المعلومات التي توافرت لديّ خلال الرحلة على ذينك المسارين جعلتني أكثر معرفة بالشخصية الكردية، ومع ذلك أحسب أن المشهد الكلي لهذا المحور كان سيعاني من ثغرات متعددة، لو لم أقم برحلة ثانية عبر مصادر التراث العربي الإسلامي، أبحث فيها عن صورة الكرد بصورة أكثر دقة وتوسعاً، وقد أفرغت نتائج تلك الرحلة البحثية في (18) حلقة، ضمن سلسلة نشرته على شبكة الإنترنت في الشهور الماضية، بعنوان (دراسات في التاريخ الكردي)، وتأكد لي من خلالها أن صورة الكرد في تلك المصادر هي- في الغالب- صورة مشوَّهة إلى درجة تثير الاستهجان والاستغراب، وهي لا تنافي أبسط مقتضيات الواقع وقواعد العقل والمنطق فقط، وإنما تنافي أبسط قواعد الأخلاق العلمية أيضاً. وكان من الممكن للمرء أن يغضّ النظر عن تلك الكتابات، ويعدّها نتاج الجهل بحقائق الأمور، أو يعدّها ضرباً من الثرثرة التي شغف بها فريق من كتّاب غربي آسيا منذ قرون، لكن المشكل أنها تخرج من نطاق الجهل، وتتجاوز حدود الثرثرة، وتدخل في دائرة (التشويه العمد) كما يقول القانونيون، ولذلك أدرجت الكثير من تلك الكتابات تحت عنوان (مشروع أبلسة الكرد)؛ إذ تأكد لي بالأدلة القاطعة أن الكرد- وهذه ظاهرة عجيبة ومؤسفة حقاً- كانوا وما زالوا ضحية هذا المشروع القديم والمتشعّب والمعقّد والمستمر، على الصعيدين الإقليمي والعولمي، حتى إن الزعيم الكردي ملا مصطفى بارزاني تساءل ذات مرة مستغرباً: " ما هي الجرائم التي ارتكبها الشعب الكردي حتى تقف جميع أمم العالم ضده "؟! (جوناثان راندل: أمة في شقاق، ص 232).
تسـاؤلات ويؤكد (القرآن)- وهو الكتاب المقدس في الإسلام- أيضاً أن سفينة النبي نوح رست على جبل اسمه (جُودي): " وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءكِ وَيَا سَمَاء أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاء وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ". (سورة هُود، الآية 44). ومعروف أن جبل أرارات يقع في شمال غربي بلاد الكرد، ويقع جبل جودي في جنوب غربي بلادهم. وإذا تفحّصنا الدراسات المتخصصة في الحضارة البشرية وجدنا أنها تؤكد أيضاً مركزية بلاد الكرد في المجال الحضاري، ومعروف أن (حضارة حَلَف)- نسبةً إلى تل حلف في أعالي نهر الخابور- هي أبرز حضارات غربي آسيا في العصور القديمة، يقول الدكتور محمد بيومي مهران: "وتشغل حضارة حَلَف الفترة منذ أواخر الألف السادسة، وحتى أواخر الألف الخامسة قبل الميلاد، وقد انتشر إنتاجها في الشمال خاصة، وفي مساحة تمتد من الزاب الأعلى، وسفوح جبال زاغروس شرقاً، إلى ما وراء الفرات غرباً، وإلى الحدود التركية وسفوح جبال طوروس شمالاً ". (محمد بيومي مهران: تاريخ العراق القديم، ص 20. وانظر جيمس ميلارت: أقدم الحضارات في الشرق الأدنى، ص 157). والسبب الثاني: أن الميديين (أسلاف الكرد) كانوا في طليعة من قاوموا بطش الآلة العسكرية الآشورية، وحرروا شعوب غربي آسيا من قهر السلطات الآشورية، وعندما بدأ العهد العربي الإسلامي في غربي آسيا، وصاروا من جملة الشعوب التي تدين بالإسلام، لم يقصّروا- عندما أتيحت لهم الفرصة- في إغناء الثقافة الإسلامية، وفي تشييد بنيان الحضارة الإسلامية، بل كانوا في طليعة المدافعين عن البيت الغرب آسيوي ضد الغزو المغولي القادم من الشرق، وضد الغزو الأوربي القادم من الغرب، والمعروف باسم (الحملات الصليبية)، وإلى يومنا هذا نجد بعض الإخوة من مثقفي العرب وساستهم يقولون: إننا ننتظر ظهور صلاح الدين آخر ليحرر القدس. بل لو راجعنا تاريخ التركمان السلاجقة بدقة لاتضح أن الجغرافيا الكردية كانت منصّة انطلاق للسلاجقة غرباً ضد الدولة البيزنطية، وأن مقدّرات الأرض الكردية والإنسان الكردي كانت من العوامل المهمة في تغلّب السلاجقة على الدولة البيزنطية، وفي وصولهم إلى غربي آسيا الصغرى (تركيا حالياً)، وحسبنا دليلاً على ذلك دور الكرد في معركة مَلازكرد سنة (463 هـ/1071 م) بين السلاجقة بقيادة السلطان أَلْب أرسلان والبيزنطيين بقيادة الإمبراطور رومانوس (ابن الأثير: الكامل في التاريخ، 10/27. وابن أبي الهيجاء: تاريخ ابن أبي الهيجاء، ص 118). وقل الأمر نفسه بالنسبة إلى حروب الدولة العثمانية ضد الدولة الصَّفَوية شرقاً، وضد أوربا غرباًَ.
حسناً، إذاً لماذا هذا الإجحاف الواقع على الكرد؟! ومنذ شهرين تقريباً عقدت العزم بصورة قاطعة على الكتابة في هذا موضوع (الشخصية الكردية)، ومع ذلك ظللت أقدّم رجلاً وأؤخر أخرى؛ إذ كان عليّ- وقد اقتنعت بهذا الخيار- أن أقوم ببعض الأعباء العلمية الضرورية، وأن أجد نفسي وجهاً لوجه مع بعض الإشكالات المعرفية والمنهجية.
أما بالنسبة للأعباء فكان لزاماً عليّ أن أتوسّع في
مجالات معرفية أربعة: وكان من الأعباء العلمية أيضاً الاطلاع على تجارب مماثلة في الكتابة عن شخصيات الشعوب، ووجدت دراسات لا بأس بها في هذا الميدان، منها: كتاب (دراسات نفسية في الشخصية العربية) للدكتور جابر عبد الحميد جابر، والدكتور سليمان الخُضَري الشيخ، وكتاب (ملامح الشخصية العربية) لمُحيي الدين صبحي، وكتاب (التناقض الوجداني في الشخصية العربية المعاصرة) للدكتور عبد المُعطي سُوَيد، وكتاب (الشخصية العربية الإسلامية والمصير العربي) للدكتور هشام جِعَيط، وكتاب (الوطن العربي دراسة في الشخصية الإقليمية) للدكتور ياسر أحمد السيد السيد، وكتاب (الشخصية المصرية) للدكتور محمد عبد الفتاح المهدي، وكتاب (الشخصية الوطنية المصرية) للدكتور طاهر عبد الحكيم، وكتاب (الشخصية التونسية) للبشير بن سلامة.
إشـكالات وبما أني أتطلع إلى البحث في (الشخصية الكردية)، أفلا يعني ذلك أن ما أكتبه سيكون- شئتُ أم أبيت- متمركزاً حول الشخصية الكردية بهويتها الكرمانجية العِفْرينية المسلمة السنّية؟ وأفلا أكون بذلك قد ظلمت- من حيث أدري ولا أدري- الكرد من الفروع والبيئات والديانات والمذاهب الأخرى؟ أفلا تكون الدراسات التي أخرج بها على القراء دراسات عرجاء، فيها الحقائق وأنصاف الحقائق، وما لا يمتّ إلى الحقائق أصلاً؟ والخلاصة أفلا أكون بذلك قد عمّمت الجزء على الكل، ونقضت واحداً من أهم أركان البحث العلمي الموضوعي؟ ثانياً- الوقوع في مصيدة الجمود: وأقصد بالجمود هنا الخلط بين الثابت والمتحوّل، إذ لا يخفى أن الشخصية- سواء أكانت شخصية فرد أم شخصية شعب- لا تنحصر، من حيث هي كل، في حالة واحدة إلى أبد الآبدين، إن فيها الثابت شبه الدائم (الخصائص العرقية/البيولوجية)، وفيها البطيء التحول (الخصائص السيكولوجية/الذهنية)، وفيها القابل للتحول بوتيرة متوسطة (الخصائص الثقافية: المُثل العليا، القيم)، وفيها القابل للتحول بسرعة ملموسة (الخصائص العملية: التقاليد، العادات، الأزياء)، وبما أن دراسة (الشخصية الكردية) ستتناول- حسبما يقتضي المنطق- سمات هذه الشخصية بدءاً من أقدم أسلاف الكرد (على الأقل منذ حضارة حَلَف)، وإلى يومنا هذا، فكيف لنا أن نكون في منجاة من الخلط بين ما هو ثابت وما هو متحوّل؟ ثالثاً- الوقوع في مصيدة الخلط بين الأصيل والدخيل: المجتمع الكردي، كمعظم غربي آسيا ومجتمعات العالم الأخرى، ليس مجتمعاً منغلقاً، إنه على تواصل مباشر مع المجتمعات المجاورة له منذ ثلاثة آلاف عام قبل الميلاد، وكان ذلك التواصل يغدو واقعاً مفروضاً عندما كان المجتمع الكردي يصبح- كلياً أو جزئياً- تحت سلطة الإمبراطوريات التي حكمت غربي آسيا (الآشورية، الميدية، الفارسية، اليونانية، الرومانية). وأصبح تواصل الكرد مع جيرانهم وثيقاً على نحو أشد حينما أصبحوا من رعايا الإمبراطورية العربية الإسلامية، وكذلك الأمر حينما صاروا من رعايا الإمبراطورية العثمانية. أما في العصر الحديث فها نحن نرى أن فرص الانغلاق والانعزال تتقلص يوماً بعد يوم، وأصبحت الشعوب مضطرة إلى الانفتاح على الآخرين في جميع الاتجاهات؛ وهذا يعني أن شخصية شعبٍ ما لم تعد قادرة على الاحتفاظ بأصالتها بشكل كامل، ولا بد أن تتعرض للتأثر والاختراق، بل ليس من المستبعد أن تتعرض للمسخ بعض الأحيان، وبطبيعة الحال ليست الشخصية الكردية استثناء في هذا المجال، فكيف لنا إذاً أن نميّز فيها بين الأصيل الدخيل من السمات؟ وكيف لنا أن نحدد نسبة الأصالة فيها؟ رابعاً الوقوع في مصيدة نظرية شعب الله المختار: لا يخفى أن كل شعب من شعوب العالم يعتقد، فيما بينه وبين نفسه، أنه الأفضل والأنقى والأسمى، ولكل شعب مبرراته الخاصة في هذا المجال، وقد تكون ذلك المبررات دينية أو عرقية أو حضارية أو عسكرية، لا بل إن نُخب بعض الشعوب يصرّحون علناً بأن شعبهم هو (شعب الله المختار)، وأنه المؤهّل وحده لقيادة الجنس البشري، وانطلاقاً من هذه العقيدة يمنحون شعبهم جميع الصفات المرموقة، ولا يتركون لغيرها من الشعوب إلا الفُتات؛ ونذكر على سبيل المثال النُخب العبرانية، والنُخب الطورانية، والنخب النازية.
وبما أن الأمر كذلك أفلا يمكن أن تركبنا أيضاً شهوة
الخُيلاء، وننساق خلف النرجسية القومية، ونتوهّم أن الكرد هم (شعب الله
المختار)، ونشرع في تضخيم المحاسن واختلاق الفضائل والمزايا، والتقليل من نسبة
السلبيات؟ آليّـات وضوابط 2. رسم ملامح خريطة الشخصية الكردية على ضوء العناصر السابقة، مع الأخذ في الحسبان أنها عناصر متعالقة متكاملة، تنتمي إلى منظومة شاملة، وليست جزراً مبعثرة ولا شظايا متفرقة، فقد يكون السمة الواحدة من سمات الشخصية متصلة في الوقت نفسه بما هو بيئي، وميثولوجي، واجتماعي.
3. الاعتماد على الوثائق للوصول إلى الحقائق، ويجب أن
ينصب التركيز على ما شاهده ولاحظه وقاله الآخرون بخصوص سمات الشخصية الكردية،
ونقل ما ذكروه بأمانة تامة، سواء أكان ما ذكروه يدخل في باب المديح والإعجاب أم
في باب الذم والانتقاص، مع التمييز الدقيق بين ما هو موضوعي وما هو مغرض في تلك
المشاهدات والملاحظات والأقوال. 5. الانطلاق في الدراسة من نية بناء جسور التعارف والتفاهم بين الكرد والشعوب الأخرى، ولا سيما جيران الكرد الأقربين (الفرس، العرب، الآشوريون، الكلدان، السريان، الأرمن، الترك)، وعدم الانجرار وراء الخُيَلاء القومية، مع الابتعاد عن تمجيد الشخصية الكردية، وعن تفضيلها على غيرها من شخصيات الشعوب الأخرى، سواء أكان ذلك تحت عنوان ضرب الأمثلة أو الموازنة أو المقارنة.
6. عرض ما يُكتب في هذا الموضوع على أكبر شريحة ممكنة من المثقفين الكرد في
مختلف مناطق كردستان، ومن مختلف الأديان والمذاهب والتخصصات، لإبداء الرأي
تصويباً وتعديلاً وحذفاً وإضافة. وأحسب أن أول
ما يجب أن نبدأ به هو البحث في (الشخصية)، ترى ما هي؟ |
|||||